تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
وأعجب بما تضفيه على رجالها من هيبة وسكينة ، وتاقت نفسه إلى الاستزادة من علومهم ، ولكن رغبته هذه لم تكن تلقى آذانا صاغية من أمه ، التي كانت ترجو أن يتولى - بوصفه أكبر أبنائها - دوره في إعالة الأسرة . ويظهر أن أكثر من مشادة قد حدثت بين الابن الطموح والأم المحدودة الأفق حول جدوى العلم والتعلم ، وقد سجل هو لنا بعض ما كان يدور بينهما فقال « وكانت والدتي - رحمها الله تعالى - بلهاء ، وكان نساء المحلة يضحكن عليها ، يقلن لها : أيش ينفعك العلم وأنت امرأة أرملة وابنك الكبير لا يساعدك في شيء فكانت رحمها الله تقول : يا ولدي نحن فقراء وأنتم أيتام ، هب أن عمّك يطعمك فمن يكسوك ؟ وأنا لا أصغي لها حتى ألّحت عليّ في ذلك وقطعت كسوتها عني ، كل هذا نشأ عن بلهها ، وإغواء نساء الجيران إياها ، وإلا فهي في حد ذاتها مباركة رحمة الله عليها » . « 1 » وهكذا تحولت أيام الطلب إلى أيام معاناة وألم وصبر ، بحيث لم يجد ما يشتري به شمعا أو شيرجا لمطالعة دروسه ، فكان يطالعها على ضوء القمر ، أو على سرج السوق ، وبقي - كما يقول - مدة مديدة ما أكل فيها لحما ، وكان يلبس الثوب فلا يخلعه حتى يتمزق لعدم حصوله على الصابون ، ويطول شعر رأسه فلا يجد ما يحلقه به ، يقول ملخّصا تلك المدة العصيبة من حياته « والحاصل أني وجدت أيام الطلب من المشاق والجوع والسهر والعري والإفلاس ما لا طاقة به لولا إسعاف الله ولطفه ، وكنت مع هذه المشاق أجد للطلب لذة عظيمة » . ووجد عبد الله في خاله ما يعوضه عن موقف أمه غير المتفهم ، فقد شجعه هذا على المضي في سبيل العلم ، ومواصلة الأخذ عن الشيوخ ، فبعد أن أنهى دراسته في كتّاب الشيخ عبد الرحمن ، وأتقن الخط ، أرسله خاله إلى عالم الكرخ يومذاك « الشيخ العالم النحرير والجهبذ الشهير ، تذكرة السلف ، وعمدة الخلف ، زين الملة والدين ، الشيخ حسين نوح الحديثي الحنفي « 2 » » وكان هذا العالم يتولى التدريس في المدرسة العمرية التي أنشأها له
هامش
( 1 ) المصدر نفسه الورقة 5 ( 2 ) المصدر نفسه والصفحة .
النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 11 | عماد عبد السلام / عبد الله بن حسين السويدي البغدادي