وما لم ينله حظّ اللّه تعالى فلا خير فيه . فاسمحوا بتفريقها للحاضر لإخراجها ، في اختيار عرضها ونتاجها ، واستحيوا من اللّه تعالى أن تبخلوا عليه ببعض ما بذل ، وخالفوا الشيطان كلّما عذل ، واذكروا خروجكم إلى الوجود لا تملكون ، ولا تدرون أين تسلكون ، فوهب وأقدر ، وأورد بفضله ، وأصدر ، ليرتّب بكرمه الوسائل ، أو يقيم الحجج والدلائل ، فابتغوا إليه الوسيلة بماله ، واغتنموا رضاه ببعض نواله .
وصيام رمضان عبادة السّرّ المقرّبة إلى اللّه زلفى ، الممحوضة « 1 » لمن يعلم السّرّ وأخفى ، مؤكدة بصيام الجوارح عن الآثام ، والقيام ببر القيام ، والاجتهاد ، وإيثار السهاد « 2 » على المهاد ، وإن وسع الاعتكاف فهو من سننه المرعيّة ، ولواحقه الشرعيّة ، فبذلك تحسن الوجوه ، وتحصل من الرقّة على ما ترجوه ، وتذهب قسوة الطباع ، ويمتدّ في ميدان الوسائل الباع .
« والحجّ - مع الاستطاعة - الركن الواجب ، والفرض على العين لا يحجبه الحاجب ، وقد بيّن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قدره فيما فرض عن ربّه وسنّه ، وقال ليس له جزاء عند اللّه إلّا الجنّة .
ويلحق بذلك الجهاد في سبيل اللّه تعالى إن كانت لكم قوّة عليه ، وغنى لديه ، فكونوا ممّن يسمع نفيره ويطيعه ، وإن عجزتم فأعينوا من يستطيعه .
« هذه عمد الإسلام وفروضه ، ونقود مهره وعروضه ، فحافظوا عليها تعيشوا مبرورين ، وعلى من يناويكم ظاهرين « 3 » ، وتلقوا اللّه لا مبدّلين ولا مغيرين ، ولا تضيعوا حقوق اللّه فتهلكوا مع الخاسرين .
« واعلموا أنّ بالعلم تستكمل وظائف هذه الألقاب ، وتجلى محاسنها من بعد الانتقاب « 4 » ، فعليكم بالعلم النافع ، دليلا بين يدي السامع ، فالعلم مفتاح هذا الباب ، والموصل إلى اللّباب ، واللّه عزّ وجلّ يقول
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ سورة الزمر ، الآية : 9 ] والعلم وسيلة النفوس الشريفة ، إلى المطالب المنيفة ، وشرطه الخشية للّه تعالى والخيفة ، وخاصة الملأ الأعلى ، وصفة اللّه في كتبه التي تتلى ، والسبيل في الآخرة إلى السعادة ، وفي الدنيا إلى النحلة عادة ، والذخر الذي قليله يشفع « 5 » ، وكثيره ينفع « 6 » ، لا يغلبه الغاصب ، ولا يسلبه العدوّ المناصب ، ولا يبتزّه الدهر إذا نال ، ولا يستأثر به البحر إذا هال ، من لم ينله فهو ذليل وإن كثرت آماله ، وقليل وإن جم ماله ، وإن كان وقته قد فات اكتسابكم ، وتخطى حسابكم ، فالتمسوه
هامش
( 1 ) الممحوضة : الخاصة .
( 2 ) في ب : « وإيثار التهجد » .
( 3 ) ظاهرين : غالبين .
( 4 ) الانتقاب : الاستتار .
( 5 ) في ب : « قليله ينفع » .
( 6 ) في ب : « وكثيره يشفع » .