تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
« أما والذي بعثك بالحقّ هاديا ، وأطلعك للخلق نورا باديا ، لا يطفئ غلّتي « 1 » إلّا شربك ، ولا يسكّن لوعتي إلّا قربك ، فما أسعد من أفاض من حرم اللّه إلى حرمك ، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن اللّه ضيف كرمك ، وعفّر الخدّ في معاهدك ومعاهد أسرتك ، وتردّد ما بين داري بعثتك وهجرتك « 2 » ! وإني لما عاقتني عن زيارتك العوائق وإن كان شغلي عنك بك ، وعدتني « 3 » الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك ، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه ، وعدوّ تتكاثف أفواجه ، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه ، في طائفة من المؤمنين بك وطّنوا على الصبر نفوسهم ، وجعلوا التوكّل على اللّه وعليك لبوسهم ، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم ، واستعذبوا في مرضاة اللّه تعالى ومرضاتك بوسهم ، يطيرون من هيعة إلى أخرى ، ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى ، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعا كجموع قيصر وكسرى ، لا يبلغون من عدوّ هو الذّرّ عند انتشاره ، عشر معشاره ، قد باعوا من اللّه تعالى الحياة الدنيا ، لأن تكون كلمة اللّه تعالى هي العليا ، فيا له من سرب مروع ، وصريخ إلّا منك ممنوع ، ودعاء إلى اللّه وإليك مرفوع ، وصبية حمر الحواصل ، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل ، والصليب قد تمطّى فمدّ ذراعيه ، ورفعت الأطماع بضبعيه ، وقد حجبت بالقتام « 4 » السماء ، وتلاطمت أمواج الحديد ، والبأس الشديد ، فالتقى الماء ، ولم يبق إلّا الذّماء ، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون ، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده العيون ، إلى أن نلقاك غدا إن شاء اللّه تعالى وقد أبلينا العذر « 5 » ، وأرغمنا الكفر ، وأعملنا في سبيل اللّه تعالى وسبيلك البيض والسّمر . استنبت رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي بجناح خافق ، وتسعد من نيتي التي تصحبها برفيق موافق ، فتؤدّي عن عبدك وتبلّغ ، وتعفّر الخدّ في تربك وتمرّغ ، وتطيّب بريّا معاهدك الطاهرة وبيوتك ، وتقف وقوف الخضوع والخشوع تجاه تابوتك ، وتقول بلسان التملّق ، عند التشبّت « 6 » بأسبابك والتعلّق ، منكسرة الطّرف ، حذرا بهرجها من عدم الصرف : يا غياث الأمّة ، وغمام الرحمة ، ارحم غربتي وانقطاعي ، وتغمّد بطولك قصر باعي ، وقوّ
هامش
( 1 ) الغلة : حرارة الجوف من عطش ونحوه . ( 2 ) دار البعثة : مكة . ودار الهجرة : طيبة ( المدينة المنورة ) . ( 3 ) عدتني : صرفتني وشغلتني . ( 4 ) القتام : الظلام والسواد . ( 5 ) أبلينا العذر : قدمناه وأديناه ، ويقال في المقبول من العذر . ( 6 ) التشبث : التعلق . والأسباب : جمع سبب ، وأصله الحبل .