وإني وإن كنت الأبيّ قياده * ليأمرني حبّ الحسان وينهاني
وما زلت أرعى العهد فيمن يضيعه * وأذكر إلفي ما حييت وينساني
فلا تنكرا ما سامني مضض الهوى * فمن قبل ما أودى بقيس وغيلان « 1 »
لي اللّه إمّا أومض البرق في الدّجى * أقلّب تحت الليل أجفان وسنان « 2 »
وإن سلّ من غمد الغمام حسامه * برى كبدي الشوق الملمّ وأضناني
تراءى بأعلام الثنيّة باسما * فأذكرني العهد القديم وأبكاني
أسامر نجم الأفق حتى كأننا * وقد سدل الليل الرواق حليفان
وممّا أناجي الأفق أعديه بالجوى * فأرعى له سرح النجوم ويرعاني
ويرسل صوب القطر من فيض أدمعي * ويقدح زند البرق من نار أشجاني
وضاعف وجدي رسمدار عهدتها * مطالع شهب أو مراتع غزلان
على حين شرب الوصل غير مصرّد * وصفوا الليالي لم يكدّر بهجران « 3 »
لئن أنكرت عيني الطلول فإنها * تمتّ إلى قلبي بذكر وعرفان
ولم أر مثل الدمع في عرصاتها * سقى تربها حين استهلّ وأظماني « 4 »
وممّا شجاني أن سرى الركب موهنا * تقاد به هوج الرياح بأرسان
غوارب في بحر السراب تخالها * وقد سبحت فيه مواخر غربان
على كلّ نضو مثله فكأنما * رمى منهما صدر المفازة سهمان
ومن زاجر كوماء مخطفة الحشا * توسّد منها فوق عوجاء مرنان
نشاوى غرام يستميل رؤوسهم * من النوم والشوق المبرح سكران
أجابوا نداء البين طوع غرامهم * وقد تبلغ الأوطار فرقة أوطان
يؤمّون من قبر الشفيع مثابة * تطلّع منها جنّة ذات أفنان « 5 »
إذا نزلوا من طيبة بجواره * فأكرم مولى ضمّ أكرم ضيفان
هامش
( 1 ) قيس : هو قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى ، أو لبنى . وغيلان : هو ذو الرمة .
( 2 ) في ب « مقلة وسنان » .
( 3 ) صرّده : سقاه دون الري أو سقاه متقطعا .
( 4 ) عرصاتها : ساحاتها .
( 5 ) مجتمع الناس ، والموضع الذي يرجع إليه مرة بعد مرة ، والموئل . كل هذه المعاني ممكن هنا .