تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
فكن لي بالأسرار أفصح معلن * فإني قد أخلصت سرّي وإعلاني
وليس قصدي - علم اللّه - بجلب هذه القصيدة ما فيها من المجون ، بل ما فيها من التلميحات التي يرغب في مثلها أهل الأدب والحديث شجون ، على أنّ أمثال هؤلاء الأعلام ، لا يقصدون بمثل هذا الكلام ، إلّا مجرّد الإحماض « 1 » ، فينبغي أن ينظر كلامهم الواقف عليه بعين الإغضاء عن النقد والإغماض ، ولا يبادر بالاعتراض ، من لم يعلم في الأصول برهان القطع والافتراض ، واللّه سبحانه المسؤول في التجاوز عن الزلّات ، والنجاة من الأمور المضلّات ، فعفوه سبحانه وراء جميع ذلك ، واللّه تعالى المطّلع على أسرار الضمائر ، والخبير بما هنالك ، لا ربّ غيره ، ولا خير إلّا خيره .

[ نونية للوزير أبي عبد اللّه بن زمرك أنشدها سلطان الأندلس يوم عيد ]

وحيث ذكرنا هذه القصائد النونية التي اتّفق فيها البحر والروي ، وجرت من البلاغة على النهج السّويّ ، فلا بأس أن نعزّزها بقصيدة الرئيس الوزير أبي عبد اللّه بن زمرك - سامحه اللّه تعالى ! - وهي قصيدة ميلادية أنشدها سلطان الأندلس عام خمسة وستين وسبعمائة ، ونجعلها مكفرة لما مرّ في قصيدة الفقيه عمر من المجون ، ومبلغة للناظرين في هذا التأليف ما يرجون ، والحديث شجون ، وهي قوله « 2 » : [ الطويل ]
لعلّ الصّبا إن صافحت روض نعمان * تؤدّي أمان القلب عن ظبية البان
وما ذا على الأرواح وهي طليقة * لو احتملت أنفاسها حاجة العاني « 3 »
وما حال من يستودع الريح سرّه * ويطلبها ، وهي النّموم ، بكتمان
وكالطيف أستقريه في سنة الكرى * وهل تنقع الأحلام غلّة ظمآن « 4 »
أسائل عن نجد ومرمى صبابتي * ملاعب غزلان الصريم بنعمان
وأبدي إذا ريح الشمال تنفّست * شمائل مرتاح المعاطف نشوان
عرفت بهذا الحبّ لم أدر سلوة * وإني لمسلوب الفؤاد بسلوان
فيا صاحبي نجواي والحبّ غاية * فمن سابق جلّى مداه ومن واني
وراء كما ما اللوم يثني مقادتي * فإني عن شأن الملامة في شان
هامش
( 1 ) أحمض القوم : أفاضوا فيما يؤنسهم ويروح عنهم من حديث . ( 2 ) انظر أزهار الرياض ج 2 ص 42 . ( 3 ) العاني : المهموم . ( 4 ) تنقع : تزيل حرارة جوفه وتذهب عطشه .