يجمعها قولك « نأيت » فقال له ذلك الطالب : لو جمعتها بقولك « أنيت » لكان أملح ، ليكون كلّ حرف تضعيف ما قبله ، فالهمزة لواحد وهو المتكلّم ، والنون لاثنين وهما : الواحد ومعه غيره ، والواحد المعظم نفسه ، والياء لأربعة : للواحد الغائب ، وللغائبين ، وللغائبين ، وللغائبات ، والتاء لثمانية : للمخاطب ، وللمخاطبين ، وللمخاطبين ، والمخاطبة ، والمخاطبتين ، والمخاطبات ، وللغائبة ، وللغائبتين ، فاستحسن الشيخ ذلك منه .
وحكى الشاطبي أيضا أنّ شيخه ابن الفخار أورد عليهم سؤالا ، وهو : كيف يجمع بين مسألة رجل أوقع الصلاة بثوب حرير اختيارا وبين قوله : [ الوافر ]
جرى الدّميان بالخبر اليقين
فلم ينقدح لنا شيء ، فقال : الجواب أنّ الأوّل ممنوع عند الفقهاء شرعا ، ورد اللام في دم في التثنية ممنوع عند النحاة قياسا ، وكلاهما في حكم المعدوم حسّا ، وإذا كان كذلك كان الأوّل بمنزلة من صلّى بادي العورة اختيارا ، فتلزمه الإعادة ، وكان الثاني بمنزلة ما باشر فيه عين دم علم التثنية ، فتلزمه الفتحة ، وإن كان أصلها السكون ، قال : وهذه المسألة تشبه مسألة ابن جني في الخصائص ، قال « 1 » : ألقيت يوما على بعض من كان يعتادني مسألة فقلت له : كيف تجمع بين قوله : [ الكامل ]
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثّعلب « 2 »
وبين قوله « اختصم زيد وعمرو » ؟ فلم ينقدح له فيها شيء ، وعاد مستفهما ، فقال له :
اجتماعهما أنّ الواو اقتصر به على بعض ما وضع له من الصلاحية الملازمة مطلقا ، والطريق اقتصر به على بعض ما كان يصلح له .
قال الشاطبي : وحدّثني أيضا قال : كان لقاضي القضاة علما وجزالة أبي جعفر ولد يقرأ عليّ بمالقة ، وكان ابنا نبيها فهما ونبلا ، فسأل مني يوما مسألة يذكرها لأقرانه ، وكان معجبا بالغرائب ، فجرى على لساني أن قلت له : بينّ على زيد فعل أمر وفاعل ، والأصل ابأينّ على زيد ، ثم سهل بالنقل والحذف ، على قياس التسهيل ، فصار بينّ كما ترى ، فأعجب بالمسألة حتى ناظر فيها ليلة أباه ، وكان أنحى نحاة أهل عصره ، فأعجب ممّا يرى من ابنه من النبل والتحصيل ، فبلغت المسألة الشيخ الأستاذ أبا بكر بن الفخار ، رحمه اللّه تعالى ، فاعتنى بها ،
هامش
( 1 ) انظر الخصائص ج 3 ص 319 .
( 2 ) ينشد النحاة هذا البيت شاهدا لحذف حرف الجر ونصب ما كان مجرورا له على التوسع ، والأصل كما عسل في الطريق . فلما حذف « في » نصب الطريق . ولدن : وصف من اللدونة ، وعسل : تحرك واضطرب .