تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
لعلّنا نحكم أشهى فنّ * فأنت في ذا اليوم أمشى منّي

[ ترجمة أبي عبد اللّه بن مسرة ]

وقال في المطمح : إنّ ابن مسرّة كان على طريق من الزهد والعبادة سبق فيها ، وانتسق في سلك مقتفيها ، وكانت له إشارات غامضة ، وعبارة عن منازل الملحدين غير داحضة ، ووجدت له مقالات ردية ، واستنباطات مردية ، نسب بها إليه رهق « 1 » ، وظهر له فيها مزحل عن الرشد ومزهق ، فتتبّعت مصنّفاته بالحرق ، واتّسع في استباحتها الخرق ، وغدت مهجورة ، على التالين محجورة ، وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق لمعانيها ، وتزويق لأغراضها وتشييد لمبانيها ، انتهى . وهو من نمط الصوفية الذين تكلّم فيهم ، والتسليم أسلم ، واللّه تعالى بأمرهم أعلم .

[ فرار أبي عبد اللّه الخشني من المناصب ]

ومن حكايات أهل الأندلس في الانقباض عن السلطان ، والفرار من المناصب ، مع العذر اللطيف : ما حكاه في المطمح في ترجمة الفقيه أبي عبد اللّه الخشني « 2 » إذ قال : كان فصيح اللسان ، جزيل البيان ، وكان أنوفا منقبضا عن السلطان ، لم يتشبّث بدنيا ، ولم ينكث له مبرم عليا ، دعاه الأمير محمد إلى القضاء فلم يجب ، ولم يظهر رجاءه المحتجب ، وقال : أبيت عن إمامة هذه الديانة « 3 » ، كما أبت السماوات والأرض عن حمل الأمانة ، إباية إشفاق ، لا إباية عصيان ونفاق ، وكان الأمير قد أمر الوزراء بإجباره ، أو حمل السيف إن تمادى على تأبّيه وإصراره ، فلمّا بلغه قوله هذا أعفاه ، قال : وكان الغالب عليه علم النسب ، واللغة والأدب ، ورواية الحديث ، وكان مأمونا ثقة ، وكانت القلوب على حبّه متّفقة ، وله رحلة دخل فيها العراق ، ثم عاد إلى هذه الآفاق ، وعندما اطمأنّت داره ، وبلغ أقصى مناه مداره ، قال : [ الطويل ]
كأن لم يكن بين ولم تك فرقة
الأبيات ، انتهى . وهذه الأبيات قدّمناها في الباب الخامس في ترجمة القاضي ابن أبي عيسى . فأنت ترى كلام الفتح قد اضطرب في نسبتها ، فمرة نسبها إلى هذا ، ومرة نسبها إلى ذاك ، وهي قطعة عرفها ذاك « 4 » .

[ من دعابات أهل الأندلس ]

ومن دعابات أهل الأندلس وملحهم : ما يحكى عن ابن أبي حلّى « 5 » ، وهو علي ابن أبي
هامش
( 1 ) الرهق : التهمة ، والخطيئة ، والجهل . ( 2 ) انظر المطمح ص 56 - 57 . ( 3 ) في ب ، ه : « أبيت عن أمانة هذه الديانة » . ( 4 ) العرف : الرائحة الطيبة ، وذاك : عطر . ( 5 ) في ج : « عن ابن أبي الحلى » .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 329 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي