تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ما تقول السادة العلماء شدّ اللّه تعالى بها أزر الدين ، ولمّ بهم شعث المسلمين ، في الشيخ محيي الدين بن عربي في كتبه المنسوبة إليه كالفتوحات والفصوص ، هل تحل قراءتها وإقراؤها ومطالعتها ؟ وهل هي الكتب المسموعة المقروءة أم لا ؟ أفتونا مأجورين جوابا شافيا لتحوزوا جميل الثواب ، من اللّه الكريم الوهاب ، والحمد للّه وحده . فأجابه بما صورته « 1 » : الحمد للّه ، اللهم أنطقنا بما فيه رضاك ، الذي أعتقده في حال المسؤول عنه وأدين اللّه تعالى به ، أنه كان شيخ الطريقة حالا وعلما ، وإمام الحقيقة حقيقة ورسما ، ومحيي رسوم المعارف فعلا واسما : [ البسيط ]
إذا تغلغل فكر المرء في طرف * من بحره غرقت فيه خواطره
وهو عباب لا تكدره الدّلاء ، وسحاب لا تتقاصر عنه الأنواء ، وكانت دعواته تخترق السبع الطّباق ، وتفترق بركاته فتملأ الآفاق ، وإني أصفه وهو يقينا فوق ما وصفته ، وناطق بما كتبته ، وغالب ظني أني ما أنصفته [ البسيط ] .
وما عليّ إذا ما قلت معتقدي * دع الجهول يظنّ العدل عدوانا
واللّه واللّه واللّه العظيم ومن * أقامه حجّة للدّين برهانا
بأنّ ما قلت بعض من مناقبه * ما زدت إلّا لعلّي زدت نقصانا
وأما كتبه ومصنفاته فالبحار الزواخر ، التي لجواهرها وكثرتها لا يعرف لها أول ولا آخر ، ما وضع الواضعون مثلها ، وإنما خص اللّه سبحانه بمعرفة قدرها أهلها ، ومن خواص كتبه أن من واظب على مطالعتها والنظر فيها ، وتأمل ما في مبانيها ، انشرح صدره لحل المشكلات ، وفك المعضلات ، وهذا الشأن لا يكون إلا لأنفاس من خصه اللّه تعالى بالعلوم اللدنية الربانية ، ووقفت على إجازة كتبها للملك المعظم فقال في آخرها : وأجزته أيضا أن يروي عنه مصنفاتي ، ومن جملتها كذا وكذا ، حتى عد نيفا وأربعمائة مصنف ، منها التفسير الكبير الذي بلغ فيه إلى تفسير سورة الكهف عند قوله تعالى :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
[ الكهف : 65 ] وتوفي ولم يكمل ، وهذا التفسير كتاب عظيم ، كل سفر بحر لا ساحل له ، ولا غرو فإنه صاحب الولاية العظمى ، والصديقية الكبرى ، فيما نعتقد وندين اللّه تعالى به ، وثم طائفة ، في الغي حائفة « 2 » ، يعظمون عليه النكير ، وربما بلغ بهم الجهل إلى حد التكفير ، وما ذاك إلا لقصور أفهامهم عن إدراك مقاصد أقواله وأفعاله ومعانيها ، ولم تصل أيديهم لقصرها إلى اقتطاف مجانيها « 3 » . [ البسيط ]
هامش
( 1 ) في ب ، ه : فأجابه ما صورته . ( 2 ) الحائفة : المائلة عن القصد ، الجائرة في الحكم . ( 3 ) مجانيها : أراد هنا : ثمارها .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 317 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي