تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
تقول ، ولكنك تدخل علينا به داخلة ، فإن أعفيتنا منه فهو أحبّ إلينا ، وإن اضطررتنا لم يمكنا عقوقك ، فعزم عليه عزم من لم يشكّ أن قد ظفر بحاجته ، وضايقته الآجال ، فألح عليه ، فأرسل الحكم عند ذلك إلى فقيهين من فقهاء زمانه ، وخط شهادته بيده في قرطاس ، وختم عليها « 1 » بخاتمه ، ودفعها إلى الفقيهين وقال لهما : هذه شهادتي بخطي تحت ختمي ، فأدياها إلى القاضي ، فأتياه بها إلى مجلسه وقت قعوده للسماع من الشهود ، فأدياها إليه ، فقال لهما : قد سمعت منكما فقوما راشدين في حفظ اللّه تعالى ، وجاء وكيل سعيد الخير ، وتقدم إليه مدلّا واثقا ، وقال له : أيها القاضي ، قد شهد عندك الأمير - أصلحه اللّه تعالى ! - فما تقول ؟ فأخذ كتاب الشهادة ونظر فيه ، ثم قال للوكيل : هذه شهادة لا تعمل عندي ، فجئني بشاهد عدل ، فدهش الوكيل ، ومضى إلى سعيد الخير فأعلمه ، فركب من فوره إلى الحكم ، وقال : ذهب سلطاننا ، وأزيل بهاؤنا ، يجترئ هذا القاضي على رد شهادتك ، واللّه سبحانه قد استخلفك على عباده ، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم إليك ؟ هذا ما يجب أن تحمله « 2 » عليه ، وجعل يغريه بالقاضي ويحرضه على الإيقاع به ، فقال له الحكم : وهل شككت أنا في هذا يا عم ؟ القاضي رجل صالح واللّه ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، فعل ما يجب عليه ويلزمه ، وسدّ دونه بابا كان يصعب عليه الدخول منه ، فأحسن اللّه تعالى جزاءه ! فغضب سعيد الخير ، وقال : هذا حسبي منك ، فقال له : نعم قد قضيت الذي كان لك علي ، ولست واللّه أعارض القاضي فيما احتاط به لنفسه ، ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله . ولما عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك قال لمن عاتبه : يا عاجز ، أما تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات ، فمن كان يجترئ على الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ؟ ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه . وتوفي القاضي محمد بن بشير سنة 198 قبل الشافعي بست سنين كما يأتي قريبا ومحاسنه - رحمه اللّه تعالى ! - كثيرة ، وقد استوفى ترجمته بقدر الإمكان القاضي عياض في المدارك ، فليراجها من أرادها ، فإن عهدي بها في المغرب « 3 » . وقال بعض من عرف به ، ما نصه : القاضي محمد بن بشير بن محمد المعافري ، أصله من جند باجة من عرب مصر ، ولاه الحكم بن هشام قضاء القضاة الذي يعبرون عنه بالمغرب
هامش
( 1 ) عليها : غير موجودة في ب ، ه . ( 2 ) في ب : هذا ما لا يجب أن تحمل عليه . ( 3 ) في أصل ه : فإن عهدي به لمغرب . وما أثبتناه هو الصحيح ، وهكذا جاء في ب ، ج .