تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١

92 - ومنهم القاضي الشهير محمد بن بشير ، وهو محمد بن سعيد بن بشير بن شراحيل ، المعافري

« 1 » ، وقيل في آبائه غير ذلك كما يأتي . ولما أشير على الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بتقديم ابن بشير إلى خطة القضاء بقرطبة وجّه إليه بباجة ، فأقبل ولا يعلم ما دعي إليه ، ونزل على صديق له من العبّاد ، فتحدث في شأن استدعائه ، وقدّم أنه يعرف فن « 2 » الكتابة ، فقال له العابد : ما أراه بعث فيك إلا للقضاء ، فإن القاضي بقرطبة مات وهي الآن دون قاض ، فقال ابن بشير : فأنا أستشيرك في ذلك إن وقع ، فقال : أسألك عن أشياء ثلاثة ، وأعزم عليك أن تصدقني فيها ، ثم أشير بعد ذلك عليك ، فقال : ما هي ؟ فقال : كيف حبّك للأكل الطيب واللباس اللين وركوب الفاره ؟ « 3 » فقال : واللّه لا أبالي ما رددت به جوعي وسترت به عورتي وحملت به رحلي ، فقال : هذه واحدة ، فكيف حبك للتمتع بالوجوه الحسان والتبطن للكواعب الغيد وما شاكل ذلك من الشهوات ؟ فقال : هذه حال واللّه ما استشرفت قط إليها ، ولا خطرت ببالي ، ولا اكترثت لفقدها ، فقال : وهذه ثانية ، فكيف حبّك لمدح الناس لك وثنائهم عليك ؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل ؟ فقال : واللّه ما أبالي في الحق من مدحني وذمّني ، وما أسر للولاية ولا أستوحش للعزل ، فقال : وهذه الثالثة ، أقبل الولاية فلا بأس عليك ، فقدم قرطبة ، فولاه الأمير الحكم القضاء والصلاة . قال ابن وضاح : أخبرني من كان يرى محمد بن بشير القاضي داخلا على باب المسجد الجامع « 4 » يوم الجمعة ، وعليه رداء معصفر ، وفي رجله نعل صرّارة « 5 » ، وله جمّة مفرقة « 6 » ، ثم يقوم فيخطب ويصلي وهو في هذا الزي ، وبه كان يجلس للقضاء بين الناس ، فإن رام أحد من دينه شيئا وجده أبعد من الثريا . وأتاه رجل لا يعرفه ، فلما رأى ما هو فيه من زي الحداثة من الجمة المفرقة والرداء المعصفر وظهور الكحل والسواك وأثر الحناء في يديه ، توقف وقال : دلّوني على القاضي ،
هامش
( 1 ) انظر ترجمته في تاريخ قضاة الأندلس ص 47 - 53 . وقد جاء عنه أنه لقي مالك بن أنس عند توجهه إلى حج بيت اللّه الحرام . ( 2 ) في ب ، ه : وقدم أنه يصرف في الكتابة . ( 3 ) الفارة من الدواب : القوي النشيط . ( 4 ) الجامع : غير موجودة في ب . ( 5 ) نعل صرارة : أراد أنه يسمع لها صوت إذا سار . ( 6 ) الجمة ، بضم الجيم : الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن .