تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
فسكر أحد الحاضرين سكرا مثل له ميدان الحرب ، وسهل عليه مستوعر الطعن والضرب ، فقلب مجلس الأنس حربا وقتالا ، وطلب الطعن وحده والنزالا « 1 » ، فقال ذو الرياستين :
نفس الذّليل تعزّ بالجريال * فيقاتل الأقران دون قتال
« 2 »
كم من جبان ذي افتخار باطل * بالرّاح تحسبه من الأبطال
كبش النّديّ تخمّطا وعرامة * وإذا تشبّ الحرب شاة نزال

[ وصف المتنزهات من ترجمة ابن طاهر ]

وقال في ترجمة ابن طاهر ، ما صورته : وجئته يوما وقد وقفت بباب الحنش ، فقال لي : من أين ؟ فأعلمته ، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأملته ، فقال لي : كنت أخرج إليه في أكثر الليالي مع الوزير الأجل أبي بكر - يعني ابن عبد العزيز - إلى روضته التي ودت الشمس أن يكون منها طلوعها ، وتمنى المسك أن تنضم عليه ضلوعها ، والزمان غلام ، والعيش أحلام ، والدنيا تحية وسلام ، والناس قد انتشروا في جوانبه ، وقعدوا على مذانبه « 3 » ، وفي ساقيته الكبرى دولاب يئن كناقة إثر حوار ، أو كثكلى من حر الأوار ، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه ، بكرته ورواحه ، ويغازل عليه حبيبه ، ويصرف إليه تشبيبه ، فخرجت عليه ليلة والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي آنس ، تهيم به المكانس ، وفي أذنيه قرطان ، كأنهما كوكبان ، وهو يتأود تأود غصن البان ، والمتنبي يقول : [ الرمل ]
معشر النّاس بباب الحنش * بدر تمّ طالع في غبش
علّق القرط على مسمعه * من عليه آفة العين خشي
فلما رآني أمسك ، وسبح كأنه قد تنسك « 4 » .

[ وصف المتنزهات من ترجمة ابن عمار ]

وقال في ترجمة ابن عمار ، ما صورته : وتنزه بالدمشق بقرطبة ، وهو قصر شيده بنو أمية بالصّفّاح والعمد ، وجروا من إتقانه إلى غاية وأمد ، « 5 » وأبدع بناؤه ، ونمقت ساحته وفناؤه ، واتخذوه ميدان مراحهم ، ومضمارا لانشراحهم ، وحكوا به قصرهم بالمشرق ، وأطلعوه كالكوكب الثاقب المشرق ، فحله أبو بكر بن عمار على أثر بوسه ، وابتسم له دهره بعد عبوسه ، والدنيا قد أعطته عفوها ، وسقته صفوها ، وبات فيه مع لمّة « 6 » من أتباعه ، ومتفيئي
هامش
( 1 ) أخذه من قول المتنبي :وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا( 2 ) الجريال : الخمر . ( 3 ) المذانب : جمع مذنب ، وهو مجرى الماء من الروضة إلى غيرها . ( 4 ) في ب : كأنه قد تنسك . ( 5 ) في ب : إلى غير أمد . ( 6 ) اللّمة : الجماعة .