تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
المعقودة عليها بالخناصر بل الخمس ، كي ما يكون ذلك لهذه الأغراض مشيعا ، ويخلع على مطالعه بهذه البلاد المشرقية من أغراضه البديعة ومنازعه وشيعا . فأجبته أسمى اللّه قدره الكبير ، وأدام عرف فضائله المزرى بالعنبر والعبير ، بأن هذا الغرض غير سهل ، ولست علم اللّه له بأهل ، من جهات عديدة ، أوّلها قصوري عن تحمّل تلك الأعباء الشديدة ، إذ لا يوفّي بهذا الغرض إلّا الماهر بطرق المعارف السديدة ، وثانيها عدم تيسّر الكتب المستعان بها على هذا المرام لأني خلّفتها بالمغرب ، وأكثرها في المشرق كعنقاء مغرب « 1 » ، وثالثها شغل الخاطر بأشجان الغربة ، الجالبة للفكر غاية « 2 » الكربة ، وتقسّم البال ، بين شغل عائق وبلبال ، وأنّى يطيق ، سلوك هذا المضيق ، من اكتحلت جفونه بالسهاد ، ونبت جنوبه عن المهاد ، وسدّد نحوه الأسف سهمه ، وشغل باله ووهمه ، وبثّ في قلبه تريحا ، وعناء لم يجد منه إلّا أن يلطف اللّه تسريحا ، فما شام بارقة أمل إلّا في النادر ، ولا ورد منهل صفاء إلّا وكدّره مكر غادر ، وقد كثر الجفاء ، وبرح بلا شكّ الخفاء ، واستوخمت الموارد والمصادر ، والقلب مكلوم ، وذو اللب « 3 » غير ملوم ، إذا كان على تلفيق ما يليق غير قادر ، ولا مؤنس إلا شاكي دهر بلسان صريح ، أو باكي قاصمة ظهر بجفن قريح ، أو مناضل في معترك العجز طريح ، أو فاضل دفن من الخمول في ضريح ، إذ رمته سهام الأوهام الصوائب ، وعضّت منه إبهام الإبهام بنابها النوى والنوائب ، فقلوبه من تقلّبات أحواله ذوائب ، وكم شابت من أمثاله بصروف الدهر وأهواله ذوائب : [ الطويل ]
على أنها الأيام قد صرن كلّها * عجائب حتى ليس فيها عجائب « 4 »
وأدمع أحجارها ، تسلّط فجّارها ، فكم من عدوّ منهم في ثياب صديق ، وحسود لنظره إلى نعم اللّه على عباده تحديق ، لا تخدعه المداراة ، ولا تردعه المماراة « 5 » ، يتتبع العثرات ، ويقنع بألم البثرات ، ويتبسم ، وقلبه من الغلّ يتقسّم ، ويتودّد ، ومكايده تتجدّد فتتعدّد : [ الخفيف ]
لا ترم من مماذق « 6 » الودّ خيرا * فبعيد من السّراب الشراب
هامش
( 1 ) عنقاء مغرب ، أو العنقاء المغرب : طائر خرافي لا وجود له ، جعلوه أحد المستحيلات . ( 2 ) في ب : غالب . ( 3 ) في ب : واللبّ . ( 4 ) البيت لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي . ( 5 ) المماراة : المجادلة . ( 6 ) مماذق الودّ : الذي لا يصدق فيه .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 75 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي