تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
احمرّ للنّيل خدّ * حتى غدا كالشقيق
وقد ترنّمت فيه * إذ صار وادي العقيق

[ حج المؤلف وزيارته المدينة ووصفه المشاهد المباركة ]

ثم شمّرت عن ساعد العزم بعد الإقامة بمصر مدّة قليلة ، إلى المهمّ الأعظم والمقصد الأكبر الذي هو سرّ المطالب الجليلة ، وهو رؤية الحرمين الشريفين ، والعلمين المنيفين ، زادهما اللّه تنويها ، وبلّغ النفوس ببركة من شرفا به مآرب لم تزل تنويها ، فسافرت في البحر إلى الحجاز ، راجيا من اللّه سبحانه في الأجر الانتجاز ، إلى أن بلغت جدة ، بعد مكابدة خطوب اتّخذت لها من الصبر عدّة ، فحين حصل القرب ، واكتحلت العين بإثمد تلك التّرب ، ت رنّمت بقول من قال ، محرّضا على الوخد والإرقال « 1 » : [ البسيط ]
بدا لك الحقّ فاقطع ظهر بيداء * واهجر مقالة أحباب وأعداء
واقصد على عزمة أرض الحجاز تجد * بعدا عن السّخط في نزل الأودّاء
وقل إذا نلت من أمّ القرى أربا * وهو الوصول بإسرار وإبداء
يا مكة اللّه ، قد مكّنت لي حرما * مؤمّنا لست أشكو فيه من داء
فمذ رأى النازح المسكين مسكنه * في قطرك الرّحب لم ينكب بأرزاء
شوق الفؤاد إلى مغناك متّصل * شوق الرياض إلى طلّ وأنداء
ثم أنشدت ، عندما بدت أعلام البيت الحرام ، قول بعض من غلب عليه الشوق والغرام ، وقد بلغ من أمانيه الموجبة بشائره وتهانيه المرام : [ البسيط ]
وافى الحجيج إلى البيت العتيق وقد * سجا الدّجى فرأوا نورا به بزغا « 2 »
عجّوا عجيجا وقالوا : اللّه أكبر ما * للجوّ مؤتلقا بالنور قد صبغا « 3 »
قال الدليل : ألا هاتوا بشارتكم * فمن نوى كعبة الرحمن قد بلغا
نادوا على العيس بالأشواق وانتحبوا * وحنّ كلّ فؤاد نحوها وصغا « 4 »
وكلّ من ذمّ فعلا نال محمدة * في مكة ومحا ما قد جنى وبغى
ولما وقع بصري على البيت الشريف كدت أغيب عن الوجود ، واستشعرت قول العارف
هامش
( 1 ) الوخد والإرقال : ضربان من السير السريع . ( 2 ) سجا الدجى : سكن الليل وغطت الظلمة المكان . ( 3 ) عج العجيج : رفعوا أصواتهم بالدعاء إلى اللّه . ( 4 ) صغا : مال .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 49 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي