تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧

[ أخبار في سيرة المنصور ]

وفي المنصور المذكور أيضا قال بعض مؤرّخي المغرب ، مازجا كلامه ببعض كلام الفتح ، بعد ذكر استعانته ببعض الناس على بعض ، وذكر قتله لجعفر بن علي ، فقال بعده ما صورته : ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر هل من مبارز ، فلمّا لم يجده حمل الدهر على حكمه ، فانقاد له وساعده ، فاستقام أمره منفردا بمملكة لا سلف له فيها « 1 » ، ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قطّ في حرب شهدها ، وما توجّهت عليه هزيمة ، وما انصرف عن موطن إلّا قاهرا غالبا ، على كثرة ما زاول من الحروب ومارس من الأعداء وواجه من الأمم ، وإنها لخاصّة ما أحسب أحدا من الملوك الإسلامية شاركه فيها ، ومن أعظم ما أعين به مع قوة سعده وتمكّن جدّه « 2 » سعة جوده ، وكثرة بذله ، فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان ، وأول ما اتكأ على أرائك الملوك وارتفق « 3 » ، وانتشر عليه لواء السعد وخفق ، حط صاحبه المصحفيّ ، وأثار له كامن حقده الخفيّ ، حتى أصاره للهموم لبيسا ، وفي غيابات السجن حبيسا ، فكتب إليه يستعطفه بقوله « 4 » : [ البسيط ]
هبني أسأت فأين العفو والكرم * إذ قادني نحوك الإذعان والنّدم
يا خير من مدّت الأيدي إليه أما * ترثي لشيخ رماه عندك القلم
بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدر * إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا
فما زاده ذلك إلّا حنقا وحقدا ، وما أفادته الأبيات إلّا تضرّما ووقدا ، فراجعه بما أيأسه ، وأراه مرمسه ، وأطبق عليه محبسه ، وضيّق تروّحه من المحنة وتنفّسه : [ البسيط ]
الآن يا جاهلا زلّت بك القدم * تبغي التّكرّم لمّا فاتك الكرم
أعريت بي ملكا لولا تثبّته * تبغي التّكرّم لمّا فاتك الكرم
أغريت بي ملكا لولا تثبّته * ما جاز لي عنده نطق ولا كلم
فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق * إنّ الملوك إذا ما استنقموا نقموا
نفسي إذا سخطت ليست براضية * ولو تشفّع فيك العرب والعجم
وكان من أخباره الداخلة في أبواب البرّ والقربة بنيان المسجد الجامع ، إلى أن قال :
هامش
( 1 ) أراد أنه لم يرث الملك عن أهله . ( 2 ) جدّه : حظه . ( 3 ) ارتفق : اتكأ . ( 4 ) نسب جماعة هذه الأبيات إلى المصحفي ، ونسبها آخرون إلى ابن دراج القسطلي .