تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨

[ أمثلة من عدل المنصور بن أبي عامر ]

ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم ، ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة ، وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين ، وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار ، فعظمت بها المنفعة ، وصارت صدرا في مناقبه الجليلة . وكانت هنالك قطعة أرض لشيخ من العامّة ، ولم يكن للقنطرة عدول عنها ؛ فأمر المنصور أمناءه بإرضائه فيها ، فحضر الشيخ عندهم ، فساوموه بالقطعة ، وعرّفوه وجه الحاجة إليها وأنّ المنصور لا يريد إلّا إنصافه فيها ، فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنّه أنها لا تخرج عنه بأقلّ من عشرة دنانير ذهبا ، كانت عنده أقصى الأمنيّة ، وشرطها صحاحا . فاغتنم الأمناء غفلته ، ونقدوه الثّمن ، وأشهدوا عليه ، ثم أخبروا المنصور بخبره ، فضحك من جهالته ، وأنف من غبنه ، وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل ، وتدفع له صحاحا كما قال ، فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا ؛ فكاد أن يخرج من عقله ، وأن يجنّ عند قبضها من الفرح ، وجاء محتفلا في شكر المنصور ، وصارت قصّته خبرا سائرا . ومن ذلك أيضا بناء قنطرة على نهر إستجة ، وهو نهر شنيل ، وتجشم لها أعظم مؤنة ، وسهّل الطريق الوعرة والشّعاب الصعبة . ومن ذلك أيضا أنه خطّ بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره وغزواته « 1 » . يدرس فيه ، ويتبرّك به . ومن قوة رجائه أنه اعتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده ، فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله ، حتى اجتمع له منه صرّة ضخمة ، عهد بتصييره في حنوطه « 2 » ، وكان يحملها حيث سار مع أكفانه ، توقّعا لحلول منيّته ، وقد كان اتّخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضّيعة الموروثة عن أبيه ، وغزل بناته . وكان يسأل اللّه تعالى أن يتوفّاه في طريق الجهاد ؛ فكان كذلك . وكان متّسما بصحّة باطنه ، واعترافه بذنبه ، وخوفه من ربّه ، وكثرة جهاده . وإذا ذكّر بالله ذكر ، وإذا خوّف من عقابه ازدجر ، ولم يزل متنزّها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر ، لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين . وكان عدله في الخاصّة والعامّة وبسط الحقّ على الأقرب فالأقرب من خاصّته وحاشيته أمرا مضروبا به المثل .
هامش
( 1 ) في ب لا توجد كلمة « وغزواته » . ( 2 ) الحنوط : طيب يوضع في ماء غسل الميت .