تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
بمجيئه ، فلمّا وقعت عينه عليه قال له : أحضر الكيس الأحمر ، فتملّك الرعب قلبه وارتعش ، وقال : دعني آتي به من منزلي ، فوكل به من حمله إلى منزله . وجاء بالكيس ، وقد نقص منه ما لا يقدح في مسرّة صاحبه ، فجبره « 1 » ، ودفعه إلى صاحبه ، فقال : واللّه لأحدّثنّ في مشارق الأرض ومغاربها أن ابن أبي عامر يحكم على الطيور وينصف منها ، والتفت ابن أبي عامر إلى الزبّال فقال له : لو أتيت به أغنيناك ، لكن تخرج كفافا « 2 » لا عقابا ولا ثوابا . وتوفي ، رحمه اللّه ، في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة ، وحمل في سريره على أعناق الرجال ، وعسكره يحفّ به ، وبين يديه ، إلى أن وصل إلى مدينة سالم . ودامت دولته ستّا وعشرين سنة ، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف ، انتهى كلام ابن سعيد ، وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون .

[ ترجمة الحاجب المصحفي ( عن المطمح ) ]

وقال الفتح في « المطمح » في حق المصحفي الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ، ما صورته « 3 » : تجرد للعليا ، وتمرّد « 4 » في طلب الدنيا ، حتى بلغ المنى ، وتسوّغ ذلك الجنى « 5 » ، ووصل إلى المنتهى ، وحصل على ما اشتهى ، دون مجد تفرّع من دوحته « 6 » ، ولا فخر نشأ بين مغداه وروحته ، فسما دون سابقة ، ورمى إلى رتبة لم تكن لنفسه مطابقة ، فبلغ نفسه ، ونزع عن جنسه ، ولم يزل يستقلّ ويضطلع ، وينتقل من مطلع إلى مطلع ، حتى التاح في أفق الخلافة ، وارتاح إليها بعطفه كنشوان السّلافة ، واستوزره المستنصر ، وعنه كان يسمع وبه يبصر ، وحجب الإمام ، وأسكب برأيه ذلك الغمام ، فأدرك لذلك ما أدرك ، ونصب لأمانيه الحبائل والشرك ، فاقتنى اقتناء مدّخر ، وأزرى بمن سواه وسخر ، واستعطفه ابن أبي عامر ونجمه غائر لم يلح ، وسرّه مكتوم لم يبح ، فما عطف ، ولا جنى من روضة دنياه ولا قطف ، وأقام في تدبير الأندلس ما أقام وبرهانه مستقيم ، ومن الفتن عقيم ، وهو يجري من السعد في ميدان رحب ، ويكرع من العزّ في مشرب عذب ، ويفضّ ختام السرور ، وينهض بملك على لبّته مزرور ، وكان له أدب بارع ، وخاطر إلى نظم القريض مسارع ، فمن محاسنه التي بعثها إيناس دهره وإسعاده ، وقاله حين ألهته سلماه وسعاده ، قوله : [ الطويل ]
لعينيك في قلبي عليّ عيون * وبين ضلوعي للشجون فنون
هامش
( 1 ) جبره : أكمل نقصه . ( 2 ) كفافا : لا له ولا عليه . ( 3 ) انظر المطمح 4 - 8 . ( 4 ) تمرد في طلب الدنيا : تجاوز الحدّ في ذلك . ( 5 ) تسوغه : وجده سائغا . والجنى : الثمرة . ( 6 ) الدوحة : الشجرة الكبيرة الملتفة . وشبهت العرب أصولها بالدوحة .