الطائلة وحالها البائس بعد تحول السلطة والرعية عنها قصيدة طويلة جاء في مطلعها :
إن الحقيقة غير ما يتوهّم * فاختر لنفسك أي امر تعزم
إن هذه المدينة الجديدة التي انتقل إليها المتوكل ورعيته ، لم تكن على ما يبدو بالمدينة الناجحة أو الملائمة لحياة السكان ، ذلك ان الذين أشرفوا على مهمة ايصال الماء إلى المدينة المتوكلية لم يكونوا على خبرة واسعة وامكانية وافرة ، فجاءت النتيجة على عكس ما كان يرغب المتوكل والناس جميعا ، وقد لعب مشروع النهر دورا خطيرا في هجران المدينة ، مثل دوره في نشوء فكرة الانتقال إليها ، وذلك بسبب فشل هذا المشروع وعجزه عن تأمين ايصال المياه إليها في موسم الصيف « 1 » . وذكر اليعقوبي : ان النهر لم يتم أمره ولم يجر الماء فيه إلّا جريا ضعيفا لم يكن له اتصال ولا استقامة على أنه قد انفق عليه شبيها بألف ألف دينار ولكن كان حفره صعبا جدا انما كانوا يحفرون حصا وافهارا لا تعمل فيها المعاول « 2 » .
وبدىء العمل في تشييد المدينة سنة خمس وأربعين ومائتين ووجّه في حفر ذلك النهر ليكون وسط المدينة ، فقدر النفقة على النهر الف الف وخمسمائة ألف دينار ، وامر بأن تختط القصور والمنازل واقطع الولاة والامراء والكتاب والجند ، ومدّ الشارع الأعظم من دار اشناس التي بالكرخ وهي التي صارت للفتح بن خاقان مقدار ثلاثة فراسخ إلى قصوره ، واقطع الناس يمنة الشارع الأعظم ويسرته وجعل عرض الشارع الأعظم مائتي ذراع ، وقدّر ان يحفر في جنبي الشارع نهرين يجري فيهما الماء من النهر الكبير الذي يحفره ، وبنيت القصور وشيدت الدور وارتفع البناء ، واتصل البناء من الجعفرية إلى الموضع
هامش
( 1 ) سوسة : ج 2 ص 315 .
( 2 ) اليعقوبي - ص 367 .