قادة الجبهة في الميدان كانوا يضعون نصب أعينهم الاعتبارات العسكرية الصرفة ويشيرون إلى عدم كفاية القوات الموضوعة تحت تصرفهم لمقاومة الهجوم البريطاني الجازم ، والنتائج المرعبة التي يمكن ان تؤدي إليها الهزيمة المفاجئة أو التقهقر غير المنتظم عن طريق المدينة نفسها . فطالبوا بالانسحاب العاجل خلال الليل إلى نقطة تقع على خط السكة الحديد ، حيث يكون بوسعهم الاتصال بقاعدتهم في سامراء وحيث تستطيع القوات المنهكة ان تستريح ويعاد تشكيلها من جديد . ولذلك طلب خليل باشا المذاكرة مع رئيس أركانه حتى يكون قادرا على اصدار حكم قطعي في الموضوع ، وانسحب معه إلى غرفة ثانية . فعاد إلى قادة جنده بعد عشر دقائق وصادق على الانسحاب . وفي الساعة الثامنة من مساء اليوم نفسه صدرت الأوامر إلى الجيش بالتّقهقر إلى نقطة تقع على بعد أحد عشر ميلا من شمال الكاظمية على دجلة ، وإلى الفلوجة على الفرات . ثم أبرق خليل باشا البرقية التالية إلى استانبول :
« في وجه هذا الهجوم الذي ظل العدو يشنه خلال ثلاثة أشهر من دون انقطاع ، بقوات متفوقة في العدد وعتاد متيسر بكثرة ، أجد ان الفيلق الثامن عشر يكاد يكون عاجزا عن الحركة وان معنوياته من قائده إلى أصغر جندي فيه باتت محطمة . واني لمقتنع بأن الجيش إذا ما اشتبك مع العدو بكامل قواته غدا فان بغداد سوف نخسرها وقواتنا كلها مع ما يعود لها من مدافع سوف تقع في الأسر . وإدراكا مني لضرورة ايقاف العمليات ، وإعادة المعنويات والقوة المادية إلى الجيش في مبعدة عن العدو ، أجد نفسي مجبرا على اتخاذ القرار المؤلم بالتخلي عن بغداد والانسحاب منها » .
وعند ذاك ركب خليل باشا وضباط ركنه إلى محطة الكاظمية واستقلوا القطار منها إلى سامراء . وتم بعد ذلك مباشرة تدمير النقاط العسكرية المهمة القريبة من المدينة ، بما فيها محطة اللاسلكي القوية الجديدة ) التي نقلت في آخر برقية لها إلى برلين خبر الانسحاب نفسه ( ، وباب الطلسم التاريخية ،
موسوعة العتبات المقدسة — صفحة 267
مساهمون: جعفر الخليلي
ص٢٦٧