مراتبها ، وان دثور المادة لا يستوجب دثورها ، ولا دثور شيء من كمالاتها ، وملكاتها ، ولا من مدركاتها ، ولا من معلوماتها ، كيف لا ؟ ولا تزال تخطر على بالنا في وقت الهرم أمور وقعت لنا أيام الشباب ، بل أيام الصبا وما قبله ، وكيفما كان فان من الوضوح بمكان ان كل ما فينا يؤيد ثبات شخصيتنا ، وعدم تغيرها مع تغير وتبدل جميع ذرات أجسامنا
شبهة الاكل والمأكول في معاد الجسد
وان كسرة الخبز التي نأكلها وفدرة اللحم التي نمغضها وتدخل في جوفنا تعتور عليها عدة صور تخلع صورة وتلبس أخرى من الكيموس إلى أن تصير دما ، ثم توزعه حكمة اللّه فتجعل من ذلك الدم لحما ، وعظما ، وشحما ، وعصبا ، وكبدا ، وقلبا ، وطحالا ، إلى آخر ما يحتوي ويتكون منه هذا الهيكل الانساني والجسد الحيواني ، فكيف نشأ من هذه الكسرة سبعون نوعا من الأنواع المختلفة ، والأجناس المتباينة ، فأين العظم من اللحم ، واين الشحم من الغاز واين الغاز من المخ ، واين المخ من الشعر ؟ وهكذا وهلم جرا ، كل هذا تكوّن من لقمة الخبز ، كل هذه الأنواع مندمجة مطوية ؟ أم انقلبت وتحولت من صورة إلى صورة ، ومن حقيقة إلى أخرى ، ومهما قيل فيها فان تلك اللقمة التي تدخل في جوفنا وتتصرف بها المشيئة تلك التصاريف المتنوعة لم تدخل هي في كياننا ولم تصر جزءا من أجسامنا ، بل تطورت عدة أطوار ، وتعاورتها صورة بعد صورة ، ودخلت في معامل ميكانيكية وتحليلات كيماوية ، إلى أن بلغت هذه المرحلة ونزلت من أجسامنا بتلك المنزلة
وان ما يرد من الاعتراض على امكان بعث الانسان إلى الحياة روحا وجسدا ، واستحالة معاده على هيكله السابق بسبب ما يتداخل من كل