تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
فلمّا فتح اللّه تعالى الشّام ، ألحّ معاوية بن أبي سفيان - وهو يومئذ على جند دمشق والأردن - على عمر - رضي اللّه عنه - في غزو البحر ، وقرب الرّوم من حمص ؛ وقال : « إنّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم » ، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر اتّهم معاوية لأنّه المشير . وأحبّ عمر أن يردعه فكتب إلى عمرو بن العاص - وهو على مصر - « أن صف لي البحر وراكبه ، فإنّ نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها » . فكتب إليه : « يا أمير المؤمنين إنّي رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ، ليس إلّا السّماء والماء ؛ إن ركد حزن القلوب ، وإن زلّ أزاغ العقول ، يزداد فيه اليقين قلّة والشّكّ كثرة ؛ هم فيه كدود على عود ، إن مال غرق ، وإن نجا برق » « 1 » . فلمّا جاءه كتاب عمرو ، كتب إلى معاوية : « لا - والذي بعث محمدا بالحقّ - لا أحمل فيه مسلما أبدا ، إنّا قد سمعنا أنّ بحر الشّام يشرف على أطول شيء في الأرض يستأذن اللّه تعالى في كلّ يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها . فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب ؟ وتاللّه لمسلم واحد أحبّ إليّ مما حوته الرّوم . فإيّاك أن تعرض لي - وقد تقدّمت إليك وقد علمت ما لقي العلاء منّي ولم أتقدّم إليه - في مثل ذلك » . وعن عمر - رضي اللّه عنه - أنّه قال : لا يسألني اللّه - عزّ وجلّ - عن ركوب المسلمين البحر أبدا . وروى عنه ابنه عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - أنّه قال : لولا آية في كتاب اللّه تعالى لعلوت راكب البحر بالدرّة . ثم لمّا كانت خلافة عثمان بن عفّان - رضي اللّه عنه - غزا المسلمون في البحر ، وكان أوّل من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان ، وذلك أنّه لم يزل بعثمان حتى عزم على ذلك بأخرة «
( a
» ، وقال : لا تستحث «
( b
» النّاس ولا تقرع بينهم ؛ خيّرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه . ففعل ،
هامش
( aبولاق : فأخّره .( bبولاق : وقال : تنتخب . ( 1 ) قارن مع ابن خلدون ، المقدمة 690 . وهنا حاشية بخطّ المؤلّف : « قوله : وإن نجا برق ، البرق ، الدّهش والحيرة ، ومنه قوله تعالى :فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ[ الآية 7 سورة القيامة ] ، يعني : إذا حار عند الموت . ومن قرأ بفتح الراء أراد بريقه إذا شخص ، وأراد عمرو أنّ راكب البحر إمّا أن يغرق وإمّا أن يكون فيه مدهوشا . وروي أن عمرا قال : بين غرق وبرق » .