تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
لأهل مصر . فاختارها الصّالح بن الكامل سرير السّلطنة ، وبنى بها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللّون ، محكم البناء عالي السّمك ، لم تر عيني أحسن منه . وفي هذه الجزيرة كان « الهودج » الذي بناه الآمر خليفة مصر لزوجته البدويّة التي هام في حبّها ، و « المختار » بستان الإخشيد وقصره ، وله ذكر في شعر تميم بن المعزّ وغيره . ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار ، منها قول أبي الفتح بن قادوس الدّمياطي « 1 » : [ الوافر ]
أرى سرح الجزيرة من بعيد * كأحداق تغازل في المغازل « ( a »
كأنّ مجرّة الجوزا أحاطت * وأثبتت المنازل في المنازل
وكنت أبيت «
( b
» في بعض اللّيالي بالفسطاط على ساحلها ، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النّيل أمام سور هذه الجزيرة الدّرّي اللّون . ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة ، وفي داخله من الدّور السّلطانية ما ارتفعت إليه / همّة بانيها ، وهو من أعظم السّلاطين همّة في البناء . وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عينيّ مثاله ، ولا يقدّر «
( c
» ما أنفق عليه ، وفيه من صفائح الذّهب والرّخام الأبنوسي والكافوري والمجزّع ما يذهل الأفكار ، ويستوقف الأبصار . ويفضل عمّا أحاط به السّور أرض طويلة ، وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرّج عليها السّلطان ، وبعدها مروج ينقطع فيها مياه النّيل فينظر منها «
( d
» أحسن منظر . وقد تفرّجت كثيرا في طرف هذه الجزيرة ممّا يلي برّ القاهرة ، فقطعت فيه عشيّات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات . وإذا زاد النّيل فصل ما بينها وبين الفسطاط بالكلّيّة . وفي أيّام احتراق النّيل يتّصل برّها ببرّ الفسطاط من جهة خليج القاهرة ، ويبقى موضع الجسر يكون «
( e
» فيه المراكب «
( f
» . وركبت مرّة هذا النّيل أيّام الزّيادة مع الصّاحب المحسّن محيي الدّين [ بن سعيد ] «
( g
» بن ندا وزير الجزيرة ، وصعدنا إلى جهة الصّعيد ، ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ والنّيل قد
هامش
( aبولاق : مغازل .( bبولاق : أشق .( cبولاق : أقدر .( dبولاق : بها .( eساقطة من بولاق .( fبولاق : مراكب .( gإضافة من النجوم الزاهرة لابن سعيد 318 . ( 1 ) انظر عن ابن قادوس ، فيما تقدم 2 : 448 ه 2 .