تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
والقصبة هي أعظم أسواق مصر . وسمعت / غير واحد ممّن أدركته من المعمّرين يقول : إنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت ، كأنّهم يعنون ما بين أوّل الحسينيّة ممّا يلي الرّمل إلى المشهد النّفيسي . ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارا جيّدا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر . وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت ، غاصّة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة ، تبهج رؤيتها ويعجب النّاظر هيئتها ، ويعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع ، فضلا عن الأشخاص . وسمعت الكافّة ممّن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون : يرمى بمصر في كلّ يوم ألف دينار ذهبا على الكيمان والمزابل . يعنون بذلك ما يستعمله اللّبّانون والجبّانون والطّبّاخون من الشّقاف الحمر التي يوضع فيها اللّبن ، والتي يوضع فيها الجبن ، والتي تأكل فيها الفقراء الطّعام بحوانيت الطّبّاخين ، وما يستعمله بيّاعو الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشّقاف وفوقها «
( a
» ، وما يستعمله العطّارون من القراطيس والورق القويّ والخيوط التي تشدّ بها القراطيس «
b )
» المحمول فيها الأدوية وما يستعمله الأبازرة والفانيون من قراطيس الموز والخيط التي يشدّ بها القراطيس «
( b
» الموضوع فيها حوائج الطّعام من الحبوب والأفاويه وغيرها . فإنّ هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق ، وأخذ ما فيها ، ألقيت إلى المزابل « 1 » . ومن أدرك النّاس قبل هذه المحن وأمعن النّظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والتّرف ، لم يستكثر ما ذكرناه . وقد اختلّ حال القصبة وخرب ، وتعطّل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة ، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش ، ويقال لهم « أصحاب المقاعد » « 2 » ، وكلّ قليل يتعرّض الحكّام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق ، لما يحصل بهم من تضييق الشّوارع وقلّة بيع أرباب الحوانيت . وقد ذهب واللّه ما هناك ، ولم يبق إلّا القليل . وفي القصبة عدّة أسواق منها ما خرب ، ومنها ما هو باق . وسأذكر منها ما يتيسّر إن شاء اللّه .
هامش
( aساقطة من بولاق .( b - bساقطة من بولاق . ( 1 ) قارن هذا الوصف بوصف ناصر خسرو لحالة الرخاء في فسطاط مصر في منتصف القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي . ( سفرنامه 105 ) . ( 2 ) ذكرهم فيما يلي 322 باسم « أرباب المقاعد » .