تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
لهبها ، واجتمع النّاس فلم يعرف من أين كان ابتداء الحريق . واتّفق هبوب رياح عاصفة ، فحملت شرر النّار إلى أمد بعيد ، ووصلت أشّعتّها إلى أن رئيت من القلعة . فركب الوزير منجك بمماليك الأمراء ، وجمعت السّقّاؤون لطفي النّار ، فعجزوا عن إطفائها . واشتدّ الأمر فركب الأمير شيخو والأمير طاز والأمير مغلطاي أميرا خور ، وترجّلوا عن خيولهم ، ومنعوا النّهّابة من التعرّض إلى نهب البيوت التي احترقت . وعمّ الحريق دكاكين البندقانيين ودكاكين الرّسّامين وحوانيت الفقّاعيين والفندق المجاور لها والرّبع علوّه ، وعملت إلى الجانب الذي يلي بيت بيبرس ركن الدّين الملقّب بالملك المظفّر ، والرّبع المجاور له إلى زقاق الكنيسة . فما زال الأمير شيخو واقفا بنفسه ومماليكه ومعه الأمراء إلى أن هدم ما هنالك ؛ والنّار تأكل ما تمرّ به إلى أن وصلت إلى بئر الدّلاء - التي كانت تعرف قديما ببئر زويلة ، ومنها كان يستقى لإسطبل الجمّيزة - فأحرقت ما جاور البئر من الأماكن إلى حوانيت الفكّاه والطّبّاخ وما يجاورهما من الحوانيت والرّبع المجاور لدار الجوكندار ، وكادت أن تصل إلى دار القاضي علاء الدّين عليّ بن فضل اللّه كاتب السّرّ ، المجاورة لحمّام الشّيخ نجم الدّين بن عبّود « 1 » . ولم يبق أحد في ذلك الخطّ حتى حوّل متاعه خوفا من الحريق . فكان أهل البيت / بينما هم في نقل ثيابهم ، وإذا بالنّار قد أحاطت بهم ، فيتركون ما في الدّار وينجون بأنفسهم ، والأمر يعظم والهدم واقع في الدّور المجاورة لأماكن الحريق خشية من تعلّق النّار بها ، فسرى إلى جميع البلد إلى أن أتى الهدم على سائر ما كان هنالك . فأقام الأمر كذلك يومين وليلتين والأمراء وقوف . فلمّا خفّ انصرف الأمراء ، ووقف والي القاهرة ومعه عدّة من الأمراء لطفي ما بقي ، فاستمرّوا في طفئه ثلاثة أيام أخر . وكان المصاب بهذا الحريق عظيما تلف فيه للنّاس من المال والثّياب والمصاغ وغيره بالحريق والنّهب ما لا يعلم قدره إلّا اللّه . هذا مع ما كان فيه الأمراء من منع النّهّابة ، وكفّهم عن أموال النّاس ، إلّا أنّ الأمر كان قد تجاوز الحدّ ، وعطب بالنّار جماعة كثيرة ، ووصل حريق النّار إلى قيسارية طشتمر وربع بكتمر السّاقي . فلمّا كفى اللّه أمر هذا الحريق ، وأعان على طفئه ، بعد أن هدمت عدّة أماكن جليلة ما بين رباع وحوانيت ، وقع الحريق في أماكن من داخل القاهرة وخارج باب زويلة . ووجد في بعض
هامش
( 1 ) واسمه علاء الدّين علي بن الكوراني ( فيما يلي 91 : 9 ) .