تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وحمل إلى ملك الرّوم ثلاثين ألف دينار ، ورحل إلى بيروت ، ثم إلى طرابلس . فتمكّن أفتكين من دمشق ، وأقام بها الدّعوة لأبي بكر عبد الكريم الطّائع بن المطيع العبّاسي ، وسيّر إلى العرب السّرايا فظفرت ، وعادت إليه بعدّة ممن أسرته من رجال العرب فقتلهم صبرا . وكان قد تخوّف من المعزّ ، فكاتب القرامطة يستدعيهم من الأحساء للقدوم عليه لمحاربة عساكر المعزّ ، وما زال بهم حتّى وافوا دمشق في سنة خمس وستين ، ونزلوا على ظاهرها ومعهم كثير من أصحاب أفتكين الذين كانوا قد تشتّتوا في البلاد ؛ فقوي بهم ، ولقى القرامطة وحمل إليهم وسرّ بهم ، فأقاموا على دمشق أياما ، ثم رحلوا نحو الرّملة وبها أبو محمود فلحق بيافا ، ونزل القرامطة الرّملة ، ونصبوا القتال على يافا حتى كلّ الفريقان ، وسئموا جميعا من طول الحرب . وسار أفتكين على السّاحل ، ونزل صيدا وبها ظالم بن موهوب العقيلي وابن الشّيخ من قبل المعزّ ، فقاتلهم قتالا شديدا انهزم منه ظالم إلى صور ، وقتل بين الفريقين نحو أربعة آلاف رجل ، فقطع أيدي القتلى من عساكر المعزّ ، وسيّرها إلى دمشق فطيف بها ، ثم سار عن صيدا يريد عكّا وبها عسكر المعزّ . وكان قد مات المعزّ في شهر ربيع الآخر ، وقام من بعده ابنه العزيز باللّه ، وسيّر جوهرا القائد في عسكر عظيم إلى قتال أفتكين والقرامطة . فبلغ ذلك القرامطة وهم على الرّملة ، ووصل الخبر بمسيره إلى أفتكين وهو على عكّا ، فخاف القرامطة وفرّوا عنها ، فنزلها جوهر . وسار من القرامطة إلى الأحساء - التي هي بلادهم - جماعة ، وتأخّر عدّة ، وسار أفتكين من عكّا إلى طبريّة ، وقد علم بمسير القرامطة وتأخّر بعضهم ، فاجتمع بهم في طبريّة واستعد للقاء جوهر وجمع الأقوات من بلاد حوران والبثينيّة « 1 » وأدخلها إلى دمشق ، وسار إليها فتحصّن بها . ونزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة ، فبنى على معسكره سورا ، وحفر خندقا عظيما وجعل له أبوابا . وجمع أفتكين النّاس للقتال ، وكان قد بقي بعد ابن الماورد رجل يعرف بقسّام التّراب ، وصار في عدّة وافرة من الذّعّار ، فأعانة أفتكين وقوّاه وأمدّه بالسّلاح وغيره . ووقعت بينهم وبين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ وستين وثلاث مائة ، فاختلّ أمر أفتكين وهمّ بالفرار ، ثم إنّه استظهر .
هامش
( 1 ) حوران . كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة . ( ياقوت : معجم البلدان 2 : 318 ) ؛ والبثنيّة أو البثنة : قرية بين دمشق وأذرعات ( نفسه 1 : 338 ) .