تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
ولم « 1 » يزل على حال رفيعة وكلمة نافذة إلى أن ابتدأت به علّته يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة «
( a
» سنة ثمانين وثلاث مائة ، ونزل إليه العزيز باللّه يعوده ، وقال له : وددت أنّك تباع فأبتاعك بمالي ، أو تفدى فأفديك بولدي ، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب ؟ فبكى وقبّل يده ، وقال : أمّا فيما يخصّني فأنت أرعى بحقّي من أن أسترعيك إيّاه ، وأرأف عليّ من أن أوصيك به . ولكنّي أنصح لك فيما يتعلّق بك وبدولتك : سالم الرّوم ما سالموك ، واقنع من الحمدانيّة بالدّعوة والشّكر ، ولا تبق على مفرّج بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة . وانصرف العزيز ، فأخذته السّكتة . وكان في سياق الموت يقول : « لا يغلب اللّه غالب » . ثم قضى نحبه ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة ، فأرسل العزيز باللّه إلى داره الكفن والحنوط ، وتولّى غسله القاضي محمد بن النّعمان ، وقال : كنت واللّه أغسل لحيته وأنا أرفق به خوفا أن يفتح عينه في وجهي . وكفّن في خمسين ثوبا بين مثقل «
( b
» - يعني منسوجا بالذّهب - ووشي مذهّب وشرب دبيقي مذهّبا وحقّة كافور وقارورتي مسك ، وخمسين منّا ماء ورد ؛ وبلغت قيمة الكفن والحنوط عشرة آلاف دينار . وخرج مختار الصّقلبي «
( c
» وعليّ بن عمر العدّاس والرجال بين أيديهم ينادون : لا يتكلّم أحد ولا ينطق . وقد اجتمع النّاس فيما بين القصر ودار الوزير التي عرفت بدار الدّيباج . ثم خرج العزيز من القصر على بغلة ، والنّاس يمشون بين يديه وخلفه بغير مظلّة والحزن ظاهر عليه ، حتى وصل إلى داره ، فنزل وصلّى عليه وقد طرح على تابوته ثوب مثقل ، ووقف حتى دفن بالقبّة التي كان بناها وهو يبكي ، ثم انصرف . وسمع العزيز وهو يقول : وأطول / أسفي عليك يا وزير ، واللّه لو قدرت أفديك بجميع ما أملك لفعلت . وأمر بإجراء غلمانه على عادتهم ، وعتق جميع مماليكه ، وأقام ثلاثا لا يأكل على مائدته ، ولا يحضرها من عادته الحضور . وعمل على قبره ثوبان مثقلان ، وأقام النّاس عند قبره شهرا ، وغدا الشّعراء إلى قبره ، فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلّهم .
هامش
( aبولاق والنسخ : شوال والتصويب من المسودة .( bبولاق : ثلاثين مثقلا وهو تصحيف والتصويب من المسودة .( cالمسودة : العزيزي . ( 1 ) مصدر المعلومات التالية كما في المسودة هو المؤرخ المسبّحي .