وكان النّاس يفتون بكتابه في الفقه ، ودرس فيه الفقهاء بجامع مصر ، وأجرى العزيز باللّه لجماعة فقهاء يحضرون مجلس الوزير أرزاقا في كلّ شهر تكفيهم .
وكان للوزير مجلس في داره للنّظر في رقاع المرافعين والمتظلّمين ، ويوقّع بيده في الرّقاع ، ويخاطب الخصوم بنفسه .
وأراد العزيز باللّه أن يسافر إلى الشّام في زمن ابتداء الفاكهة ، فأمر الوزير أن يأخذ الأهبة لذلك ، فقال : يا مولاي لكلّ سفر أهبة على مقداره ، فما الغرض من السّفر ؟ فقال : إنّي أريد التّفرّج بدمشق لأكل القراصيا . فقال : السّمع والطّاعة .
وخرج فاستدعى جميع أرباب الحمام ، وسألهم عمّا بدمشق من طيور مصر وأسماء من هي عنده - وكانت مائة ونيّفا وعشرين طائرا - ثم التمس من طيور دمشق التي هي في مصر عدّة ، فأحضرها ، وكتب إلى نائبه بدمشق يقول : إنّ بدمشق كذا وكذا طائرا ، وعرّفه أسماء من هي عنده ، وأمره بإحضارها إليه جميعها ، وأن يصرّ «
( a
» من القراصيا في كلّ كاغدة ، ويشدّها على كلّ طائر منها ، ويسرّحها في يوم واحد .
فلم يمض إلّا ثلاثة أيام أو أربعة حتى وصلت الحمائم كلّها ، ولم يتأخّر منها إلّا نحو عشر ، وعلى جناحها القراصيا . فاستخرجها من الكواغد ، وعملها في طبق من ذهب وغطّاها ، وبعث بها إلى العزيز باللّه مع خادم ، وركب إليه وقدّم ذلك ، وقال : يا أمير المؤمنين قد حضرنا قبالك القراصيا ههنا ، فإن أغناك هذا القدر وإلّا استدعينا شيئا آخر . فعجب العزيز بالوزير ، وقال : مثلك يخدم الملوك يا وزير .
واتّفق أنّه سابق العزيز بين الطّيور ، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز . فشقّ ذلك على العزيز ، ووجد أعداء الوزير سبيلا إلى الطّعن فيه ، فكتبوا إلى العزيز « أنّه قد اختار من كلّ صنف أعلاه ، ولم يترك لأمير المؤمنين إلا أدناه حتّى الحمام » . فبلغ ذلك الوزير ، فكتب إلى العزيز :
[ السريع ]
قلّ لأمير المؤمنين الذي * له العلى والمثل الثّاقب
طائرك السّابق لكنّه * لم يأت إلّا وله حاجب
فأعجب العزيز ذلك ، وأعرض عمّا وشي به .
هامش
( aبولاق : يصيب .