تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
وصلّى اللّه على سيّدنا محمد نبيّه الذي اصطفى له الدّين ، وبعثه إلى الأقربين والأبعدين ، وأيّده في الإرشاد حتّى صار العاصي مطيعا ، ودخل النّاس في التّوحيد فرادى وجميعا ، وغدوا بعروته الوثقى متمسّكين ، وأنزل عليه :
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ الآية 161 سورة الأنعام ] . وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمام الأمّة ، وكاشف الغمّة ، وأوجه الشّفعاء لشيعته يوم العرض ، ومن الإخلاص في ولائه قيام بحقّ وأداء فرض ، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما سادة البريّة ، والعادلين في القضيّة ، والعاملين بالسّيرة المرضيّة ، وسلّم وكرّم ، وشرّف وعظّم . وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم الثّلاثاء عيد الفطر من سنة ستّ وثلاثين وخمس مائة ، وقد كان من قيام أمير المؤمنين بحقّه وأدائه ، وجريه في ذلك على عادته وعادة من قبله من آبائه ، ما ينبئك به ، ويطلعك على مستوره عنك ومغيّبه . وذلك أن دنّس ثوب اللّيل لمّا بيّضه الصّباح ، وعاد المحرّم المحظور بما أطلقه المحلّل المباح ، توجّهت عساكر أمير المؤمنين من مظانّها إلى بابه ، وأفطرت بين يديه بعد ما حازته من أجر الصّيام وثوابه . ثم انثنت إلى مصافّها في الهيئات التي يقصر عنها تجويد الصّفات ، وتغني مهابتها عن تجريد المرهفات ، وتشهد أسلحتها وعددها بالتنافس في الهمم ، وتعلّق مواضيها في أغمادها شوقا إلى المطلى والقمم . وقد امتلأت الأرض بازدحام الرّجل والخيل ، وثار العجاج فلم ير أغرب من اجتماع النّهار واللّيل . وبرز أمير المؤمنين من قصوره ، وظهر للأبصار على أنّه محتجب بضيائه ونوره ، وتوجّه إلى المصلّى في هدي جدّه وأبيه ، والوقار الذي ارتفع فيه عن النّظير والشّبيه . ولمّا انتهى إليه قصد المحراب واستقبله ، وأدّى الصّلاة على وضع رضيه اللّه وتقبّله ، وأجرى أمرها على أفضل المعهود ، ووفّاها حقّها من القراءة والتّكبير والرّكوع والسّجود .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 493 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد