تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
الحبال ، فلمّا أحسّ بذلك من في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت . فخرج الإسكندر ، وأمر صنّاع الحديد والنّحاس والحجارة فعملوا تماثيل تلك الدّواب على ما صوّر ، فلمّا فرغوا منها وضعت على العمد بشاطئ البحر ، ثم أمرهم فبنوا ؛ فلمّا جنّ اللّيل ظهرت الدّوابّ والآفات من البحر ، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إلى البحر ، فرجعت ولم تعد بعد ذلك . . . فبنيت الإسكندرية وشيّدت . وأمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها : « هذه الإسكندريّة ، أردت أن / أبنيها على الفلاح والنّجاح واليمن والسّعادة والسّرور والثّبات في الدّهور ، ولم يرد الباري - عزّ وجلّ - مالك السّموات والأرض ومفني الأمم أن يبنيها «
( a
» كذلك ، فبنيتها وأحكمت بنيانها وشيّدت سورها . وآتاني اللّه - عزّ وجلّ - من كلّ شيء علما وحكمة ، وسهّل لي وجوه الأسباب فلم يتعذّر عليّ في العالم شيء مما أردته ، ولا امتنع عنّي شيء ممّا طلبته ، لطفا من اللّه - عزّ وجلّ - وصنعا لي وصلاحا لعباده من أهل عصري ، والحمد للّه رب العالمين ، لا إله إلّا هو ربّ كل شيء » . ورسم بعد هذه الكتابة كلّ ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزّمان من الآفات والعمران والخراب ، وما يؤول أمرها إليه إلى وقت دثور العالم . وكان بناء الإسكندرية طبقات ، وتحتها قناطر مقنطرة عليها دور المدينة ، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا تضيق به حتى يدور جميع تلك الآزاج والقناطر التي تحت المدينة . وقد عمل لتلك العقود والآزاج مخاريق ، ومتنفّسات للضّياء ، ومنافذ للهواء . وقد كانت الإسكندريّة تضيء باللّيل بغير مصباح لشدّة بياض الرّخام والمرمر ، وكانت أسواقها وشوارعها وأزقّتها مقنطرة كلّها لا يصيب أهلها شيء من المطر . وكان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفي اللّون «
( b
» ، بينها خنادق ، وبين كلّ خندق وسور فضول ، وربّما تعلّق في المدينة شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض الرّخام أبصار الناس لشدّة بياضه . فلمّا أحكم بناءها وسكنها أهلها ، كانت آفات البحر وسكّانه - على ما زعم الإخباريون من المصريين والإسكندريين - تختطف باللّيل أهل المدينة ، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير ؛ فلمّا علم بذلك الإسكندر اتّخذ الطّلّسمات على أعمدة هنالك تدعى المسالّ ، وهي باقية إلى هذه الغاية ، كلّ واحد من هذه الأعمدة على هيئة السّروة ، وطول كلّ واحد منها
هامش
( aبولاق : يثبتها ، مروج : أبنيها .( bبولاق : المختلفة الألوان .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 406 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد