تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
من الأجراس الصّغار ، وكان ذلك معمولا بحركات هندسية وحيل حكمية . فلمّا رأى الصّنّاع تلك الحبال قد تحرّكت ، وسمعوا الأصوات ، وضعوا الأساس دفعة واحدة ، وارتفع الضّجيج بالتّحميد والتّقديس . فاستيقظ الإسكندر من رقدته ، وسأل عن الخبر فأخبر بذلك ، فأعجب وقال : « أردت أمرا وأراد اللّه غيره ، ويأبى اللّه إلّا ما يريد ؛ أردت طول بقائها ، وأراد اللّه سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إيّاها » « 1 » . وإنّ الإسكندر لمّا أحكم بناءها «
( a
» ، وثبّت أساسها ، وجنّ الليل عليهم ، خرجت دوابّ البحر فأتت على جميع البنيان ، فقال الإسكندر حين أصبح : « هذا بدء الخراب في عمارتها ، وتحقّق مراد الباري سبحانه من زوالها » . فتطيّر من فعل الدّواب ، فلم تزل البناة في كلّ يوم تبنى وتحكم ويوكّل من يمنع الدّواب إذا خرجت من البحر ، فيصبحون وقد خرجت وخرّبت البنيان . فقلق الإسكندر لذلك وراعه ما رأى من البحر ، فأقبل يفكّر ما الذي يصنع ، وأيّ حيلة تنفع في ذلك ، حتى تدفع الأذيّة عن المدينة ، فسنحت له الحيلة عند خلوّه بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها . فلمّا أصبح دعا الصّنّاع فاتّخذوا له تابوتا من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع ، وجعلت فيه جامات من الزّجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها ، وقد أمسك ذلك بالقار والزّفت وغيره من الأطلية الدّافعة للماء حذرا من دخول الماء إلى التابوت ، وقد جعل فيها مواضع للحبال . ودخل الإسكندر في التابوت ورجلان من كتّابه ممّن له علم بإتقان التّصوير ، وأمر أن تسدّ عليه الأبواب ، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية ، وأمر بمركبين عظيمين فأخرجا إلى لجّة البحر وعلّق في التابوت من أسفله مثقلات الرّصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلا ، وجعل التابوت بين المركبين ، وألصقهما بخشب بينهما لئلّا يفترقا ، وشدّ حبال التابوت إلى المركبين وطوّل حباله ، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر ؛ فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزّجاج الشّفّاف في صفاء ماء البحر ، فإذا بصور الشّيّاطين على مثال النّاس ، وفيهم من له مثل رؤوس السّباع وفي أيديهم الفئوس مع بعضهم ، وفي أيدي بعضهم المناشير والمقامع يحكون بذلك صنّاع المدينة والفعلة وما في أيديهم من آلات البناء ؛ فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصّور ، وحكوها بالتّصوير في القراطيس على اختلاف أنواعها وتشوّه خلقها وقدودها . ثمّ حرّك
هامش
( aفي مروج الذهب : وإن الإسكندرية لمّا أحكم بناؤها . ( 1 ) قارن ذلك برواية بناء القاهرة في زمن جوهر القائد ( فيما يلي 1 : 377 ) .