تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
أمر أو قصدهم أحد ، وجعل بحافتي بحر الملح منارا يعلم به أمر البحر . ويقال إنّه بنى أكثر مدينة منف وكلّ بنيان عظيم بالإسكندرية . وكان لمّا ملك البلد بأسره جمع الحكماء ونظر في النّجوم ، وكان بها حاذقا ، فرأى أنّ مصر لابد أن تغرق من نيلها ، وأنّها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشّام ، فجمع كلّ فاعل بمصر ، وبنى مدينة في ألواح الأقصى . وقصده ملك الإفرنجة وملك منه مدينة منف ، وقدم معه ألف مركب ، وهدم أكثر الإسكندرية ، ودخل إلى النّيل من رشيد حتى أخذ منف ، وفرّ منه صا إلى المدائن الدّاخلة ، وتحصّن بها من عدوّه ، فامتنعت بالطّلّسمات أيّاما كثيرة ، ثم كانت العاقبة له ، وعاد عدوّه منهزما ، ورجع إلى منف فتتبّع الكهنة ، وقتل منهم كثيرا . وأقام ملكا سبعا وستين سنة ، وعاش مائة وسبعين سنة « 1 » . وملك ابنه تدارس «
( a
» ، واستولى على الأحياز كلّها ، وصفا له ملك مصر ، وكان محنّكا «
( b
» مجرّبا ذا أيد وقوّة ومعرفة بالأمور ، فأظهر العدل ، وأقام الهياكل وأهلها قياما حسنا ، وبنى بيتا للزّهرة ، وحفر خليج سخا . وحارب بعض عمالقة الشّام ، ودخل إلى فلسطين ، وقتل بها خلقا وسبى بعض أهلها إلى مصر ، وغزا السّودان من الزّنج والحبشة ، ووجّه في النّيل بثلاث مائة سفينة فلقى السّودان - وكانوا زهاء ألف ألف - فهزمهم وقتل أكثرهم ، وأسر منهم خلقا كثيرا ، وساق الفيلة والنّمور إلى مصر . وعمل على حدود بلده منارات زبر عليها اسمه ومسيره وظفره . وفي أيّامه بعث اللّه نبيّه صالحا إلى ثمود « 2 » . ويقال إنّه هو الذي أنزل النّوبة حيث هي ، وذلك أنّه لمّا أوغل في أرض الحبشة وقتل أمم السّودان ، وجد فيهم أمّة تقرأ صحف آدم وشيث وإدريس ، فمنّ عليها وأنزلها على نحو من شهر من أرض مصر ، فسمّوا النّوبة ، ومات بمنف « 3 » . فملك بعده ابنه ماليق ، وكان عاقلا كريما حسن الوجه «
( c
» مجرّبا ، مخالفا لأبيه وأهل مصر في عبادة الكواكب والبقر .
هامش
( aبولاق : تدارس .( bبولاق : محتكما .( cبولاق : الصورة . ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 88 - 93 . ( 2 ) فيما تقدم 371 . ( 3 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 93 - 94 ، وانظر عن النوبة فيما يلي 517 - 526 .