تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الصّعيد ، إذا نزلت اليد عليها ذبلت ، وإذا رفعت عنها تراجعت ، وقد حملت إلى مصر وشوهدت . وبها نوع من الخشب يرسب في الماء كالأبنوس ، وبها الخشب السّنط الذي يوقد منه القدر الكثير في الزّمن الطويل فلا يوجد له رماد . وذكر ابن نصر المصري أنّه كان على باب القصر الكبير ، الذي يقال له : باب الرّيحان عند الكنيسة المعلّقة ، صنم من نحاس على خلقة الجمل ، وعليه رجل راكب عليه عمامة ، منتكب قوسا عربية ، وفي رجليه نعلان ، كانت الرّوم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم ، واعتدى بعضهم على بعض ، تجاروا إليه حتى يقفوا بين يدي ذلك الجمل ، فيقول المظلوم للظّالم : « أنصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل فيأخذ الحقّ لي منك شئت أم أبيت » - يعنون بالرّاكب النّبيّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم - فلمّا قدم عمرو بن العاص ، غيّبت الرّوم ذلك الجمل لئلّا يكون شاهدا عليهم . قال ابن لهيعة : بلغني أنّ تلك الصّورة في ذلك الموضع قد أتى الآن عليها سنين لا يدرى من عملها . قال القضاعيّ : فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمّن عدّة عجائب ، فلو بسطت لجاء منها عدد كثير « 1 » . ويقال : ليس من بلد فيه شيء غريب إلّا وفي مصر مثله أو شبيه به . ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها . وفي كتاب « تحفة الألباب » أنّه كان بمصر بيت تحت الأرض فيه رهبان من النّصارى ، وفي البيت سرير صغير من خشب ، تحته صبيّ ميّت ملفوف في نطع قديم «
( a
» مشدود بحبل ، وعلى السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل ، إذا اشتغل الفتيل بالنّار وصار سراجا خرج من ذلك الأنبوب الزّيت الصّافي الحسن الفائق «
( b
» ، حتى تمتلئ تلك الباطية وينطفئ السّراج بكثرة الزّيت ، فإذا انطفأ لم يخرج من الدّهن شيء ، فإذا خرج الصّبيّ الميّت من تحت السّرير لم يخرج من الزّيت شيء ، والباطية يرفعها «
( c
» الإنسان فلا يرى تحتها شيئا ولا موضعا فيه ثقب ؛ وأولئك الرّهبان يتعيّشون من ذلك الزّيت يشتريه الناس منهم فينتفعون به « 2 » .
هامش
( aبولاق : أديم .( bفي تحفة الألباب : الرائق .( cبولاق : يريقها . ( 1 ) ينتهي هنا نصّ القضاعي المنقول عن كتاب « البلدان » للجاحظ ، ونقله كذلك ابن إياس : بدائع الزهور 1 / 1 : 13 - 17 وبقيته « لا يحصى وليس في بلد شيء عجيب إلّا وفي مصر مثله أو أعجب منه » . ( 2 ) أبو حامد الغرناطي : تحفة الألباب 133 ؛ وانظر عن المؤلف فيما يلي 313 .