عدّة سائحين ، والمسيرة بين القسطنطينية وبغداد فيها من العسر والصعوبة ما يمنع القيام بها ولا يتهيأ إلّا لرجل أيّد وافر الصحة ، وهذا الطريق كان قديما من طرق الروم المعتادة « 1 » ، ولكن الأوروبيين تركوه منذ عدّة قرون ، وطوله أربعمائة وخمسة وسبعون فرسخا وهي تساوي تسعمائة وخمسين « كوسا » هنديا ، وألفا وتسعمائة ميل إنكليزي ، وفيه خمسون بريدا أي منزلة بريدية ، والقوافل في أحسن فصول السنة لا تسلخ أقلّ من ثلاثة أشهر في إتمام سلوكه ، وقد قضيت ستة وخمسين يوما في الطريق ، ولكن البريد السريع ينهي الطريق نفسه في اثني عشر يوما ، ولولا العوائق الّتي لقيتها لاستطعت ، كما أظن ، إتمام هذا السفر في خمسة أسابيع أو ستة .
أبو طالب في بغداد
وبغداد قائمة على ضفتي دجلة وهي مدينتان « 2 » إحداهما على إحدى الضفتين والأخرى على الأخرى ، وتتميزان باسم بغداد القديمة وبغداد الحديثة ، والمدينة الأولى في الجهة الشرقية وفيها يقيم الباشا وكبار الموظفين ، والثانية في الجزيرة في الجهة الغربية من النهر ، وفيها منازل جميلة جدا ، وهاتان المدينتان ، ومحيطهما زهاء ثمانية أميال وهما محصنتان بأسوار تحيط بهما خنادق واسعة وعميقة تتخذ مزارع في أيّام السّلم ، ولكنّها لحلول أقل خطر تملأ ماء من نهر دجلة بسهولة ، وتحصينات المدينة الجديدة أقامها السلطان « أوبوس كران » المشهور بالسلطان ساوجي « 3 »
هامش
( 1 ) أراد أبو طالب أنّ هذا طريقهم في حروبهم وهجومهم على عاصمة الساسانيين « طيسفون - المدائن - سلمان باك » . ( المترجم ) .
( 2 ) سمّاهما أبو طالب مدينتين والمعروف أنّها جانبان فتركنا قوله على ما هو عليه بله أنّ المشهور هو أنّ العتيقة في الجانب الغربي ، والجديدة في الجانب الشرقي ، وهو ممّا يفهم من كلام أبي طالب نفسه بعد ذلك . ( المترجم ) .
( 3 ) هذا تاريخ نحن - أهل المدينة المعنيين بتاريخها - نجهله كل الجهل وهو من أوهام أبي طالب فأمّا سور بغداد في جانبها الشرقي فقد بدأ بإنشائه الخليفة المستظهر باللّه وأتمه الخليفة المسترشد باللّه ابنه وهدمت منه أقسام فأعاد بناءها المقتفي لأمر اللّه ، وجدده الخليفة الناصر لدين اللّه ، وأمّا سورها في جانبها الغربي فقد بناه سليمان باشا المذكور ، والظاهر أنّه هدم أبنية عباسية وأدخل آجرها فيه . ( المترجم ) .