الأجانب أقبح استقبال ، ويقدّمون إليهم طعاما رديئا متبّلا بالشتائم في الغالب « 1 » ، ويعدّون لهم أكاديش مجاعة يشرّفونها بإطلاق اسم « الخيل » عليها . وقبل فصولي من قره تبّه أردت أن أرى هذا المستوفي الصالح « 1 » ، لألومه على وضاعته فذهبت إليه فاغتاظ منّي وغضب غضبا شديدا ، وقال لي : « إنّي كنت حريا أن أستحييي من أشكو من طعام يقدّم إليّ مجانا » .
فقلت له : « أنا ما أشكو لنفسي فقط بل للأجانب الّذين يأتون بعدي وأنت الّذي ينبغي له أن يخجل لا بتزازه من موظفي البريد قوتهم باستيلائه على العوض الّذي تقدّمه الدولة ، وإجباره الفلاحين على أن يفتقروا ، ولإساءته معاملة المسافرين » .
وباليوم التاسع والعشرين منه سرت ستة وثلاثين ميلا ، وفي الثلاثين منه مررت بقرية صغيرة تسمّى « دوخلة « 2 » » وفي الأوّل من شوال ( 1218 ه ) أي السابع والعشرين من كانون الثاني سنة 1803 م وصلت إلى بغداد وقد قدرت المسيرة الأخيرة باثنين وثلاثين ميلا ، واحسب أنّها أربعون ميلا بلا تقريب ، ومع ذلك كانت خيلنا جد رديئة ، والمناخ جدّ رديء بحيث استطلت الطريق ولم يكن طويلا في الحقيقة . وكل الأرض الّتي بين دوخلة وبغداد ما هي إلّا سهل كثير الانفساح لا دار فيه ولا شجرة ، والطرق فيها لا يمكن سلوكها لضنوكها ، وكان معي ستة أفراس لي ولأثقالي ، وكانت طليحة « 3 » كل الطلاحة حتّى لقد اضطررت أن أسير على قدميّ في قسم كبير من الطريق مع ما كان من عصف الريح ورشقها وجهي بالمطر ، ومن حسن حظي أنّي وجدت في ربض بغداد موضع بريد وفيه بدلت الخيل وذهبت بعد ذلك إلى القنصل الإنكليزي المستر « جونس » . وإنّ من الغرابة بمكان مبين أن تكون طرق مدينة كبيرة كبغداد من حيزها إلى مسافة أربعين ميلا على هذه الحال من الرداءة والعسر على السائحين ، ولو كنت سرت ليلا وضللت الطريق لهلكت في وسط الطين والردغات من غير شك ، وذلك هو المصيبة الّتي تقع في كل سنة بالتقريب على
هامش
( 1 ) وهذا من أسلوب أبي طالب التهكمي الّذي تقدّمت منه نماذج . ( م ) .
( 2 ) قرية لا تزال عامرة قائمة على دجلة في الطريق الشرقي من بغداد إلى الخالص الأعلى وقد ورد ذكرها في التاريخ الغياثي لعبد اللّه بن فتح اللّه البغدادي . ( المترجم ) .
( 3 ) طلحت الدابة طلحا وطلاحة تعبت وأعيت . ( المترجم ) .