وفي اليوم السابع عشر من رمضان بأبكر بكرة واصلنا سفرنا ، وبعد مسافة قدرها ستة وثلاثون ميلا بلغنا « حميدة » مقام الشيخ فارس ، وهذا الموضع على خمسة وثلاثين فرسخا من أبارة . وهو المنزلة الأولى من الصحراء ، وهناك بيوت سكنى متوسطة غير مخيمات طيئ ، ولوجوب أن يبدل من دليلنا في هذا الموضع بأخيه طلبت ضريبة جديدة من القافلة ، فدفع كل إنسان ما عليه ، بحسب ملكيته أو عدد خيله أو جماله ، وقد استفدت من الإبطاء الّذي يوجبه هذا الحادث للدخول في القرية فتلقاني عربي أميز تلقّ وقدم إليّ خبزا وزبدا فاخرا وتمرا طريا ، ولم تكن غمضت عيناي منذ ثلاث ليال ، فاهتبلت هذه الفرصة ، ونمت سويعات أعادت إليّ قواي ، ولم نكن إذ ذاك إلّا على مسافة اثني عشر ميلا من الموصل ، فخاطرت بنفسي بأن تركت القافلة ، وبعد ساعتين من المسير كنت قد دخلت الموصل . وليس في الخيل ممّا يماثل جلادة الخيل العربية وشجاعتها ، وللفرس الّتي كنت راكبها أغنتني قبل كل شيء عن النصب في هذه السفرة البائسة ، وقد ألفيتها أوّل الأمر ذات مظهر حقير ، ولزيادة الحرج كان صاحبها قد أصابه ضجر وسآمة فتركني ليرجع إلى نصيبين ، وفي اليوم الثاني لسوء حظي فقدت كيس الهرطمان ، فكان غذاؤها في أثناء خمسة أيّام كاملة مقصورا على قليل من العشب استطاعت ارتمامه عند توقفاتنا المختلفة ، وعليها جهاز الركوب ، ومع ذلك فقد ظهر عليها عند وصولنا إلى الموصل نشاط موفور واستعداد غير منزور بحيث لا يشك أحد في أنّها أصابها الهزال وسوء الحال ، وأنا لا أعرف في العالمين خيلا يمكن أن توازن خيل العرب في هذا الشأن .
أبو طالب في الموصل
وبعد وصولي إلى الموصل بوقت قليل ذهبت إلى نائب السلطان بها محمّد باشا « 1 » لأقوم بما يجب عليّ له فتلقاني تلقيا حسنا جدا ، ودعاني أن أقضي عدّة أيّام معه . وهذا الأمير من سلالة قدامي السلاطين في مدينة القسطنطينية ، وله سطوة عظيمة ويحترمه الشعب كثيرا ولم يكن يكلّم أحد
هامش
( 1 ) قدمنا موجز سيرة محمّد باشا ابن أمين باشا الجليلي سالفا ص 236 . ( م ) .