وفي باريس حمامات للنّساء خاصة من النوع الّذي ذكرته آنفا ، ولا يخدمهن فيها إلّا نساء أيضا ، ولعدّة من هذه السفن درجات مغطاة تؤدّي إلى النهر ، وهي خاصة بالأشخاص الّذين يريدون أن يسبحوا ويعوموا ، وعدّة أخرى منها لها قناطر قريبة من مؤخر السفينة ، عليها منضدة وضعت عليها مرطبات للذين يحسون باشتهاء بعد الاستحمام أو يريدون أن يقعدوا ليتمتعوا بالمناخ المعتدل البرودة أو بالمنظر الرائق للكلاءات الّتي على شاطئ النهر .
ومقاهي باريس تفوت الإحصاء كثرة وتتميز جميعها على التقريب بالنظافة والأناقة والرونق ، ولا يلتقي الإنسان فيها كما يلتقي عند الألمان والهولنديين جمهرات من المدّخنين المستعشين الّذين كأنّهم لا يرون من كثرة الدخان المتكاثف الثخين المخدر ، ويختلف إلى هذه في الأعم الأغلب ، ألوف من رجال الجيش وأهل الأدب ، وينجذب إليها الشبان العاطلون والشابات العاطلات إمّا للعب بالبليارد وإمّا للاطلاع على جريدة الأسبار الجديدة « المودات » .
وقد كنت تعوّدت ما تصلحه المطابخ الإنكليزية من الطعام « 1 » حتّى لقد حرمت لذاذة المائدة دائما في أثناء إقامتي بفرنسا وإيطاليا ، فاللحوم في المطابخ الفرنسية محرقة ميبسة ، واللحوم المسلوقة يبالغ في طبخها حتّى تصبح صليبة « 2 » يعسر مضغها ، والفرنسيون يحبون اللحم المطبوخ مع الخضراوات حبا جما ، ويحبون الثوم والتوابل « 3 » وغيرها ، وهذه الطريقة في الطبخ بعثتني غير مرّة على ترك موائدا عدّ لي عليها ثلاثون أو أربعون لونا ، وقد نصب بالغ النصب في إعدادها ، وكنت في الغالب التجئ إلى دور الإنكليز أو دور الأميركيين ، لأطعم فيها ، وكان منظر دكاكين الحلاوى والكعك في فرنسا كافيا في إثارة الكراهية في نفسي .
ولما كنت في لندن كنت أسمع كثيرا من النّاس يقيمون النكير على ارتفاع أسعار البضاعة المختلفة ، ويذكرون باستحسان رخصها في البلاد
هامش
( 1 ) من أحب قوما أحب عاداتهم . ( المترجم ) .
( 2 ) المعروف في إنضاج اللحم بالطبخ أنّه يجعله يتهرأ لا يتصلب . ( المترجم ) .
( 3 ) ونحن نعجب من أبي طالب كيف لم يشبههم بالهنود في حب التوابل . ( م ) .