رأى الغش الّذي أصابني من أهل دوفر ، وعلم أنّي أجهل اللغة الفرنسية أفحش الجهل ، تفضّل عليّ بأن كان لي ترجمانا يفهمهم ما أقول وما أريد .
وباليوم الثاني من وصولنا إلى دوفر أبحرنا وبعد ست ساعات أبررنا في « كاليه » ميناء فرنسا المشهور ، فتعشينا في « كاليه » وركبنا عربة سميت « السريعة » واسمها مباين لحقيقتها ، فهي في هويني سيرها قد ذكّرتني بعربات هندستان الّتي تجرّها الثيران ، وبعد ثلاث ليال ونهارين من السياحة المواصلة وصلنا إلى باريس .
أبو طالب في فرنسا وباريس
وفي جميع الطريق بين كاليه وباريس رأيت ما أبهجني وحليّ في عيني من هذه البلاد الجميلة المزروعة أحسن زراعة ، ومررت بمزارع حنطة مأمولة وفارة غلّاتها ، ومفصول بينها بكروم ، وببساتين تكلّل أشجارها ثمار لذيذة ، وبسواق رائقة المياه تجري من تحت الطريق في عدّة مواضع وتنسل بين مسافة وأخرى من تحت قناطر من الحجر بديعة البناء محكمته وقويته .
وبالاعتماد على نقاط الارتئاء هذه على اختلافها أرى أنّ فرنسا تفوق إنكلترا ، ومع ذلك رأيت قطعان الماشية في فرنسا هزيلة وذات مظهر كئيب ، وهي في هذه الحال من الهزال تشبه ماشية بلاد الهند ، والخيل في فرنسا يظهر أنّها موصولة الأرس « 1 » بخيل الفرس والعرب ، وأنا أفضلها على خيل الإنكليز ، ولكن بعضهم أكّد لي أنّها ليست في أكثر صفاتها تشبه تلك في الجودة والفراهة . وفي فرنسا نوع من الكلاب جد صغار بحيث تحملها السيدات تحت أذرعهن ، خشية فقدانها أو إتعابها .
والطرق في فرنسا طويلة جدا ومستقيمة كل الاستقامة ، وحفافا كل طريق مغروس فيهما صفان من أشجار وارفة الظلال « 2 » ، فتكون بالصيف ملاذا جدّ صحيّ للسائح يقيه من المطر ومن أشعة الشّمس الحارّة ، وكثير من المدن مسوّرة بأسوار حتّى لتظهر كأنّها حصون .
هامش
( 1 ) الأرس : الأصل والعامّة تسميه « الرس » .
( 2 ) تقدّم ذكر المؤلف أنّ ابتداء سفره كان في حزيران وهو شهر تطيب فيه الظلال . ( المترجم ) .