تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
همّة هشام ، ولما مات أبوه عبد الرحمن حتى ذكره ، وحني من ورق الحديد الأخضر نصره ، ونازعه أخواه ، فلم يجدا في قوسه منزعا ، ولا في قوله الفصل مطمعا ، حتى أتاه الأمر طائعا ، ووافاه سرير الملك وقد مد عنقه خاضعا ، واستهل ذلك الجو سحابا دوى الأوام ، واستقل في ذلك الأفق بدرا ينجاب عنه الظلام ، وجرت له أمور ، ووجبت عليه نذور لموافقة السعادة لمراده ، ومؤازرة النصر لأمداده ، ومساررة الصواب لنجوى فؤاده ، فكان لا ينقض إبرامه مريرته ، ولا ينقل مرامه عن الحسنى سريرته ، فكان يعد من خير أملاكهم حظا سعيدا ، ولفظا سديدا ، تسع الدنيا همّة العوال ويجمع النعماء بعض ما تهبه من النوال ، وكان على هذا كله تقي الورع ، نقي المجتمع ، لا تحضر مجلسه الغيبة ، ولا تحل ملبسه الريبة ، مع رأي أسد من السهم نفاذا ، وأشد من الوهم بالضمير ملاذا ، وكان أبوه عبد الرحمن بن معاوية يحضره مشورته ، وينظره من الرأي صورته ، وربما تكلم بين يدي أبيه فقال صوابا ، وقاس الأمور على أشباهها فبرع جوابا ، ولهذا كان أبوه يقدمه ويثقفه تثقيف السمهري ويقومه ، ويؤاخذه في الأمور وما يريد إلا أنه يبصره ويفهمه . حكى صاحب المقتبس ما مضمونه ، أنه كان عند وفاة أبيه عبد الرحمن بمدينة باردة ، وكان أخوه بمدينة طليطلة ، وكان أخوهما عبد الله البلنسي حاضرا بقرطبة ، فشهد موت أبيه دونهما ، وشد الأمر بعده ، وبادر بالكتابة لأخيه هشام ، يعلمه أن أباه مات وعهد إليه ، وحثه على البدار نحوه ، فخرج من فوره إلى قرطبة ، وتسلم الملك ، وبويع على الإمارة ، وكان أول من بايعه أخوه عبد الله على زعل نواه ، وغلّ بين جوانحه طواه . وحكى محمد بن حفص : أنه لما انكشف وجه هشام من غمة حروبه مع أخويه سليمان وعبد الله [ ص 311 ] صفت له الأندلس جميعا ، واجتمع له
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 458 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام