تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
ووفى بأس التفرق من جماعته ، وكان الزمان ربيعا [ ص 307 ] جاء إثر جدب ، ما مر النسيم على مخلصه ، ولا رم شعث الناس إلا ما كل نقله ، وسارا على نهر أشبيلية « 1 » ، كل منهما على ضفة منه ، ثم تقابلا مقابلة كادت تكون اجتماعا وتراسلا ، لا لشئ إلا خداعا ، وكان ذلك يوم عرفة ، فبات يوسف بن عبد الرحمن همّه ذبح الجزر وتهيئة الطعام ، وعبد الرحمن الداخل همّه في تسوية الصفوف ، وإثارة القتام ، فلما أصبح يوم الأضحى جازت خيل عبد الرحمن النهر ، وجادت بالحديد مثقلة الظهر ، وتناوش الفريقان الحرب ، يشعبون شعب رماحهم ، ويهيجون شعب صفاحهم . وكان عبد الرحمن على فرس سابق ، فخاف أهل معسكره أن ينهزم ، « 2 » وحار من كان له بينهم ، وقالوا : شاب غر وتحته فرس يرمي به المرامي ، نخاف إن عضت الحرب أن يطير عليه على بعض الموامي ، فلما نمي إليه هذا الخبر ، استدعى بغلا أشهب كان معه ، وركب عليه لا يفارق موضعه ، فاطمأنوا إلى الثبات ، وارجحنوا كالجبال لولا الوثبات ، فانهزم يوسف هزيمة لم ير بعدها جدا مقبلا ، ولا حدا إلا مقللا ، ودخل الداخل قرطبة ، وحل بها صدر المرتبة ، ثم كان آخر أمر يوسف بن عبد الرحمن مع عبد الرحمن أنه انتظم في جنده ، وارتطم بالأرض خضوعا تحت بنده .
هامش
- رأسه إلى عبد الرحمن فنصب بقرطبة سنة 142 ه . ( ابن الأثير 5 / 176 ، نفح الطيب 1 / 155 ، 156 ، ابن خلدون 4 / 120 - 121 ، التنبيه والإشراف ص 286 - 287 ، البيان المغرب 2 / 38 ، 44 - 50 ، الحلة السيراء ص 53 ) ( 1 ) أشبيلية : مدينة كبيرة عظيمة وليس بالأندلس أعظم منها ، وبها قاعدة ملك الأندلس ، وبها كان بنو عباد ، وعملها متصل بعمل لبلة وهي غربي قرطبة ، بينهما ثلاثون فرسخا ، وأشبيلية قريبة من البحر يطل عليها جبل الشّرف ، وهو جبل كثير الشجر والفواكه ، وهي على شاطئ نهر عظيم ، قريب في العظم من دجلة والنيل . ( ياقوت : أشبيلية ) ( 2 ) في الأصل : لا ينهزم .