حال آبائك بالطائف [ ص 265 ] حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ، ويحتفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومناهلهم ، أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروة والخلع ، وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداما ، وأظن أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره ، فتعلم إنكاره أو إغضاءه عنه ، فإن سوّغك ما كان منك مضيت عليه إقداما فعليك لعنة الله من عبد أخفش « 1 » العينين ، أصك الرجلين ، ممسوح الجاعرتين « 2 » ، ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك ، لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك ، حتى يأتي بك أنسا فيحكم فيك ، فأكرم أنسا وأهل بيته ، واعرف له حقه ، وخدمته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تقصر في شئ من حوائجه ، ولا يبلغنّ أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبرّه وإكرامه ، فنبعث إليك من يضرب ظهرك ، ويهتك سترك ، ويشمت بك عدوك ، والقه في منزله متنصلا إليه ، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله ، والسلام » . وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم ، فأتى إسماعيل أنسا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه ، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه ، فجعل يقرأه ووجهه يتغير ويتمعر « 3 » ، وجبينه يرشح عرقا وهو يقول : يغفر الله لأمير المؤمنين ، فما كنت أظنه يبلغ مني هذا كله ، ثم قال لإسماعيل : انطلق بنا إلى أنس ، قال إسماعيل ، فقلت : يأتيك ، قال : فقم إذا ، فأتى أنسا ، فأقبلا جميعا حتى دخلا على الحجاج ، فرحب به الحجاج وأدناه ، وقال : يا أبا حمزة ، عجلت يرحمك الله باللائمة والتنكية « 4 » إلى أمير المؤمنين قبل أن يعلم كل الذي لك عندي ، إن
هامش
( 1 ) الأخفش : الضعيف البصر .
( 2 ) الجاعرتان : حرفا الورك المشرفان على الفخذ ، والجاعرة : الدبر .
( 3 ) يتمعر : يتغير وتعلوه الصفرة .
( 4 ) التنكية : من نكى العدو نكاية إذا أوقع به وهزمه وغلبه .