[ ص 211 ] بين يديه ، فمن ازداد تأهيله ، زاد تفضيله ، وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله ، ولا يحابي أحدا في دين ، ولا يحابي في حق ، فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين ، وكل ما هو مستمر إلى الآن ، مستقر على حكم الله ، مما فهمه الله له ، وفهّمه سليمان ، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ، ولا في بعضه مغيرا ، شكرا لله على نعمه ، وهكذا يجازي من شكر ، ولا يكدر على أحد موردا نزه الله نعمه الصافية به عن الكدر ، ولا يتأول في ذلك متأول ، إلا من جحد النعمة أو كفر ، ولا يتعلل متعلل ، فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ، ونعيذ أيامه من الغير ، وأمر أمير المؤمنين ، أعلى الله أمره ، أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق ، وأن يصرف باسمهما النقود وتسير بالإطلاق ، ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار ، ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار ، وتتهيأ به وتتناهى المنابر ودور الضرب هائل يرفع اسمهما على أسرة مهودها ، وهذه أعلا أسارير يقودها ، فالخطب والذهب معدنهما واحد ، وبهما يذكر الله ، فهما مساجد ، وهذه تقام بسببها الصلاة ، وتلك تدام بها الصلات ، وكلاهما مما تستمال به القلوب ، ولا تلام على ما تعيه الآذان وتوعيه ، وما منهما إلا ما تحذف بجواهره الأحداق ، وتميل إليه الأعناق ، وتبلغ به المقاصد ، وكلاهما أمر مطاع ، وإذا لمعت بارقة الخطب ، طار للذهب شعاع ، ولولا [ ه ] ما اجتمع جمع ولا انضم ، ولا عرف الإمام ممن يأتم ، ولولا الأعمال ما رتبت الأموال ، ولولا الأموال ما وليت الأعمال ، ولأجل ما بينهما من هذه النسبة ، قيل إن الملك له السكة والخطبة ، وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب ، ويتداوله كل بعيد وقريب ، ومختصره أن الله أمر بأوامر ، ونهى بنواه ، وهو رقيب ، وستفرع الألباب لها [ ص 212 ] السجايا ، وتفرع الخطباء لها شعوب الوصايا ، وتتكمّل بها المزايا ، وتخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا ، ويسمر بها السمار ، ويترنم الحادي والملاح ، ويرق
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 327
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٣٢٧