تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
يديه تلك العساكر ، شاهرا سيفه بجأش رابط ، وعزم ضابط ، وطليعة كل نجم صاعد لا هابط ، بتدبير صائب ، وتدمير على الأعداء لا يرعى صحبة صاحب ، وكانت النصرة للخليفة وعساكره ، وتردت برد التهاني ببشائره ، ونهب عسكر الخليفة مالا يتناوله الحصر ولا يتأوله [ ص 186 ] إلا النصر . قال الوزير أبو غالب : حتى كان الفرس الجيد يباع ببغداد بدينار ، والبغل الجيد بدينارين ، فأما الغنم فبلغت كل عشرين شاة بدينار ، ودامت بهذا الرخص والكثرة نحو شهرين ، ثم عاد الخليفة وقد خشع بصر الأعداء لمهابته ، واتسع أمله باعتزازه على العدو وإهانته ، ثم في سنة خمس وخمس مائة ، وصل سليمان شاه بن محمد شاه إلى خدمة المقتفي ، ملتجئا إليه ، فأكرمه ووسع ضيافته ، وصدق في قبوله بفراسته وعيافته « 1 » ، ومال الخليفة إلى تمليكه ، ولم يكن ذلك من رأي ابن هبيرة ، وعاود الخليفة فيه مرارا ، وقال : هذا أمر دفع الله عن الخليفة شره ، وكشف عنهم ضره ، فلا تجدد ما اطمأنت النفوس على تعطيله ، وسكنت إلى ما جهدت في تبطيله ، فقال الخليفة : هذا قد لجأ إلينا ، وسلك غير مذاهب أهل بيته ، في الاستكانة والخضوع ، ولو أراد جمع عسكرا وفسادا في الأرض لقدر عليه ، وحيث قد أتى الأمر من بابه ، فلا بد من إجابته ، فاستدعي إلى باب الخلافة ، وجلس له الخليفة جلوسا عاما في مجلس عظيم ، حضره أرباب الدولة والمناصب ، والأمراء والخدام والقراء والفقهاء ، كلهم متأهبون بالسواد ، وجلس الخليفة من وراء شباك ، وقام ذلك الجمع بين يديه سماطين طويلين ، ووقف الوزير ابن هبيرة على كرسي بين يدي الخليفة ، وحضر سليمان شاه ، فقبل الأرض ثم عدل به إلى بيت أفيضت عليه الخلع فيه بالطوق والسوارين والتاج والخلع التامة ،
هامش
( 1 ) الفراسة : المهارة في تعرف بواطن الأمور من ظواهرها ، وفي الحديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . والعيافة : زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 295 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام