لم أبك أطلالك لكنني * بكيت عيشي فيك إذ ولّى
والعيش أولى ما بكاه الفتى * لابد للمحزون أن يسلى
قال : فما زلت أزمر هذا الصوت وأكرره ، وقد تناول المعتصم منديلا بين يديه ، فما زال يبكي وينتحب حتى كاد بدموعه ينتقب ، ثم رجع إلى منزله فاحتضر ، وجاءه من الموت أمر قد قدر ، وجعل يقول : ذهبت الحيلة ، ليست حيلة ، إلى أن مات لثمان عشرة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين بسامراء ، ومدته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومان ، ومولده سنة سبع وتسعين ومائة ، ولما مات صنع للواثق لحنا وغنى به فيه وهو :
[ الوافر ]
أبت دار الأحبّة أن تبينا * أجدك ما رأيت بها معينا
تقطّع حسرة من حبّ ليلى * نفوس ما أثبن وما جزينا
ثم :
63 - دولة الواثق بالله
أبي جعفر هارون « 1 » بن محمد المعتصم ، ولما ولي استمر بعوائد أبيه وعمه
هامش
( 1 ) الواثق بالله : هارون بن محمد ( المعتصم بالله ) بن هارون الرشيد ، أبو جعفر ، من خلفاء الدولة العباسية بالعراق ، ولد ببغداد ، وولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 227 ه ، فامتحن الناس في القول بخلق القرآن ، وسجن جماعة وقتل في ذلك أحمد بن نصر الخزاعي بيده سنة 231 ه ، كان في كثير من أموره يذهب مذهب المأمون ، وشغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم ، كان كريما عارفا بالأدب والأنساب ، طروبا يميل إلى السماع ، عالما بالموسيقى ، وكان مسرفا في حب النساء ، ووصف له دواء للتقوية فمرض منه ، وعولج بالنار فمات محترقا سنة 232 ه . خلافته خمس سنين وتسعة أشهر .
( تاريخ بغداد 124 / 15 ، الطبري 11 / 24 ، ابن الأثير 7 / 10 ، الأغاني 9 / 276 - 300 ، مروج الذهب 2 / 278 - 288 النبراس ص 73 - 80 )