تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
لا عمّر الله من أنسابكم أحدا * وبثّكم في بلاد الله تطريدا
ودفعها إلى رجل حصيف ، وقال له : تحيّل في إنشادها في عسكر مروان من حيث لا يعلمون ، كأنك هاتف ، وسار عبد الله بن علي ، وجرت بينهم حروب ، ثم إن ذلك الرجل الذي حمّله السفاح البيتين ، تحيّل في سرب « 1 » احتفره حتى نفذه إلى قرار شجرة في معسكر مروان ، واتخذ منها حروفا خفية يخرج الصوت ، ثم قام بهما ليلا ينشدهما ، وظنوه هاتفا هتف بهم ، فتفللت عروتهم ، وكان ذلك مع تقدير الله سبب الهزيمة ، ويقال : إن مروان لما رأى المسودة خارت عزائمه ، فقال له كاتبه عبد الحميد بن يحيى : ما هذا الذي أراه منك ؟ أطربت للقاء أم جزعت من الموت ؟ فقال له : والله لوددت أني في قلهم ويكون لي سعدهم ، وما يغني هذا العسكر العظيم مع الإدبار ، ولئن قاتلونا بعد الزوال ، فهي لنا ، وإن قاتلونا قبل الزوال ، فهي لهم ، فناجزهم عبد الله بن علي القتال ، وكانت له ، وانهزم مروان إلى الجسر ، فغرق أكثر من معه ، وانهزم مروان ، فعقد عبد الله بن علي على الجسر ، وعبر النهر ، وهو يقرأ :
وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
« 2 » ، ثم أتى مضارب مروان فنزلها ، واستولى على ما فيها ، ثم كتب إلى السفاح بالخبر ، وكتب فيه : [ البسيط ]
لجّ الفرار بمروان فقلت لهم * عاد الظلوم ظليما همّه الهرب « 3 »
أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت * بك الهوينى فلا دين ولا حسب
شبيه فرعون في ظلم وفي غرق * وفي بذاءة كلب ما [ به ] كلب « 4 »
هامش
( 1 ) السرب : المسلك في خفية ، وحفير تحت الأرض لا منفذ له . ( 2 ) البقرة 50 . ( 3 ) في الأصل : ضليما ، والظليم ذكر النعام . ( 4 ) في الأصل الشطر ناقص وقدرنا إضافة ( به ) لإقامة الوزن .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 171 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام