تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وغابت شمسه فجاءت الظلمات ، وكلّ كلمه طيب الأرج ، إلا أن نظمه أعبق ، ونوافحه في المسام أعلق ، وشذاه من بلد الطيب حيث تشام أعرق . وكان لا يزال مائلا بنشوة ، ومائلا مع نسوة ، وقائلا في ظل كرم أو قهوة ، ومنجدبا بين مهبّ صبا أو صبوة . لم يتعظ بنذير المشيب ، ولم ينقّ بياضه من دنس المعيب . مدمنا في الكؤوس ، يحثّ أدوارها ، ويحلّ من الدنان المشدودة المعاقد إزارها ، ويصرف فيها دراهمه بالذهب ، ويتلقاها له بالمبزل ساق توشّح بالمنديل حين وثب وبرهن لديها روحه ، فيعجز عن فكاكها ، ويدخل إليها فتصيده فواقع الحبب في شباكها ، وكان على ما يصل إليه من غمرة هذه السكرة ، ويقع عليه في مظنه ما يكره . لا يغيب له ذهن خاطر ، ولا يغيم له أفق ماطر . وما عرف في عمره يوم صحو ، ولا فرق له بين إثبات ومحو ، حتى لقد حكى لي من كان يحضر عنده على تلك الحال ، التي يعشى دونها طرف الأعشى ، ويقلع الوليد ولا يخشى ، وينكل ابن هرمة خوفا من أمير المدينة لا يغشى . لا يزيد ذهنه إلا حضورا ، وفهمه إلا أن يقدح من ذات الشعاع نورا . وأدبه الطيبي إلا أن يدير كأسا كان مزاجها كافورا ، وكلمه الطيب إلا أن يفتح لمصعدها سماء السماع ومدامته العاطرة الأرج ، إلا أن يتقسمها شعاع الشعاع وشجرته الفارسية إلا أن يتفتح وردها . ونسبته الأسد إلا أن يهاجم وردها ، وأنديته المنسوبة إلى الطيب ، إلا أن يشبّ ندها ويشيب بأهواله ندها . ومن بديعه الذي طار في كل جمع ، وطاف بكأسه على كلّ سمع ، كلمته نوبة مرج الصفر ، حين نصر سلطاننا الملك الناصر على جيوش السلطان محمود غازان ، وهي القصيدة التي أغنته أن يغزو ، وتركته وما ( 200 ) شهد القتال بالأبطال يهزو . وهي الفائية الفائتة شأو كلّ قريحة ، البائتة لا تني عن السّرى