لا تحسبوا طول حمل الكاس في يد من * أحببته أنّه ساه ولا ناسي
لكن رأى وجهه فيها وأعجبه * جماله فأطال الحمل للكاس
وحكي أنّه كان له صديق يسر بموافقته ، ويصرّ على مرافقته . كانا نجيّين في السّرور ، ويضعان ويرتشفان الحبور ويرتضعان ، ثمّ حصلت بينهما مقاطعة وهجرة ، أظلمت ما بينهما ، والكؤوس ساطعة ، ومكثا على الهجران ، حتى آن أن يلقي الشّتاء الجران « 1 » ، فهبّ يوما من منامه ، وصبّ للاصطباح كؤوس مدامه ، والجوّ قد مرحت فيه قطع الغيم ، ولبس منه صدور البراءة وحلّة الأيم . فلمّا برئت من الشّفق الجراح ، وتعلّق السّحاب دون السماء تعلّق القطاة بالجناح ، تذكّر عهد صاحبه المفارق ، وساقه إليه من شعاع المدام وميض البارق ، فكتب إليه : [ البسيط ]
إلى متى ذا التواني يا نديم فقم * والق المدام بإكرام وإعزاز « 2 »
فيومنا بابتسام الجوّ تحسبه * من عقل من بات فيه صاحبا هازي
فقد تجعّد مبيضّ الغمام به * دون السّماء فحاكى جؤجؤ البازي « 3 »
فلمّا قرأها قام إليه ، وقطع يمينا لا يغلو بإنفاق العمر عليه .
وحكي أنّه اتخّذ له بادهنجا تغيّر عليه هواه ، ولم يحسن إرساله للنّسيم ولا هواؤه ، فقال فيه : [ البسيط ]
قد كان لي بادهنج أستلذّ به * في القيظ منه النّسيم الرّطب ألتمس
لكنّه ، عشتم ، قد مات من زمن * أما تراه وما يبدو به نفس
وكذلك حكي أنّه رأى وردا يستخرج ماؤه ، وقد فارت في الأنابيب دماؤه ،
هامش
( 1 ) : الجران : الثقل . ألقى بجرانه : بثقله .
( 2 ) : في الأصل : والمدام .
( 3 ) : الجؤجؤ : الصدر