تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
ثم قال في الناعورة : [ الطويل ]
وناعورة شبّهتها حين ألبست * من الشّمس ثوبا فوق أثوابها الخضر
بطاووس بستان يدور وينجلي * وينفض عن أرياشه بلل القطر
وحكي أنه كان قد واعد صديقا أن يخرج معه غازيا ، ثمّ قعد وانطلق صديقه غاديا ، وذلك لأنّه لم يتقدّم له عليه حقّ يسلّفه ، ولا ضرب له موعدا لا يخلفه ، ثم كتب إليه يعتبه ، وحمّله من أثقاله ما يتعبه ، فكتب إليه : [ الطويل ]
رأيتك إذ ألزمتني الذّنب ظالما * وذنبك بين النّاس قد شاع واشتهر
كقلب الذي يهوى يعذّب دائما * ولم يجن ذنبا إنّما الذّنب للبصر
( 147 ) ثمّ لّما فقد ذلك الصديق ، وقابل عذره بوجهه الصّفيق ، جعل يذكر مواقف غزاته ، والاعتداد بمجازاته ، فقال : [ الطويل ]
أتفخر إذ طاعنت خيلا مغيرة * فوارسها يوم الوغى ما لها ذكر
وفاتك أنّي طول عمري لم أزل * أطاعن خيلا من فوارسها الدّهر « 1 »
وحكي أنّه خرج يوما إلى الصحراء ، وقد تجلّت الأرض بالبيضاء والصفراء ، وعيون النّرجس محدّقة . الفضاء مجال خيله . فألفى به غلاما كان له . كان له أيّ مسعد وافاه على غير موعد ، فأنزل القبل بساحة خدّه ، وأطال في ذميل العناق إليه ووخده « 2 » ، وقال ، وجيوب الشّفق مشقّقة ، والنّسيم يتعثّر بذيله ، ويوسع في ذلك : [ الكامل ]
لو لم أعانق من أحبّ بروضة * أحداق نرجسها إلينا تنظر
هامش
( 1 ) العجز صدر بيت للمتنبي ، وعجزه : وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر . ديوانه 89 . ( 2 ) : الذّمل والوخد : السرعة .