فيه ، ولا صوان يتدفّق نهره بين حواشيه ، إلّا أنّ ما يوجد به ينازع الأهيف الألمى ما بين شفتيه ، ويغالب الظبي الأغنّ على ما في مقلتيه ، كأنّما شقّ عنه الزّهر من الكمام لبّتيه ، أو آواه الروض في الخمائل بين لابتيه .
ولقد تطلّب القاضي الفاضل رحمه الله ديوان المنازي فعزّ حتى كأنّه لم يكن موجودا « 1 » ، ولا كان إلّا آلى أن يفارقه فجاوز معه ملحودا ، على أنّه الباقي بما تتفرّقه الألسنة وجود المشرق كالشمس على صفحات الأيام فلا تستطيع له جحودا . وأجاب من طلب الفاضل منه هذا الديوان بجواب قال فيه :
وأقفر من شعر المنازي المنازل
فأعجب الفاضل بجوابه ، وقال : إن فاتنا نجح طلابه فما فاتنا حسن خطابه .
وكان بين المنازي والمعري « 2 » اجتماع طرب له الدهر وضرب له بسهم رقص الحباب له على جنبات النهر ، وكان ذا إلف للحدائق تفيّأ ظلالها ، وتهيّأ طبعه السلسال لرشف زلالها ومصابحة خلقه البهيّ لو سيمها ، ومقاومة خلقه السريّ لنسيمها ، ومراوحة ما تديره كؤوس الورد من سلاف رحيقها ، ومراودة أبكار الرياض على فضّ ختام الأرج وافتضاض
هامش
( 1 ) من المفارقات الغريبة أنّ المنازي كان مولعا بجمع الكتب حتى إنّه أوقف الكثير منها على جامع ميافارقين وجامع آمد ، ومع هذا يفقد ديوانه ، ويتطلّبه القاضي الفاضل وغيره فلا يعثرون عليه . ينظر وفيات الأعيان ، 1 / 143 ، وشذرات الذهب ، 3 / 259 .
( 2 ) ذكرت المصادر أنّ المنازي أنشد أبا العلاء أبياته في وصف وادي بزاغة ، وأولها :وقانا لفحة الرّمضاء واد * وقاه مضاعف النبت العميمفقال له أبو العلاء : أنت أشعر من بالشام ، ثمّ غاب المنازي ، ولم يعد إلّا بعد مدة طويلة ، وأنشد أبا العلاء مرة أخرى أبياته التي منها :لقد عرض الحمام لنا بسجع * إذا أصغى له ركب تلاحىفقال له أبو العلاء : ومن بالعراق . عطفا على قوله السابق : ومن بالشام ، وهم يأتون بهذه القصة وأمثالها شواهد على ذكاء أبي العلاء ، وحدّة ذهنه ، وتوقّد خاطره . ينظر شذرات الذهب ، 3 / 260 ، ونزهة الجليس 1 / 278 ، وثمرات الأوراق ، لابن حجة ، ص 19 .