تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
ووقع على القصص فأولى مننا ، وأجرى الله به الخيرات زمنا ، ولم يقصد إلا وجه الله بفعله ، ولا أسدى المعروف إلا لأهله ، ثم مات غالب من جرى لهم به ذلك المعروف ، وبقي في بقاياهم ، وحصل به الملوك الذين كتب عنهم الآخرة ببعض دنياهم ؛ ولم يكن أسرع منه إلى أداء حق واجب ، ولا أدعى لصحبة صاحب ، ولا أسبق إلى عيادة مريض ، وتشييع جنازة ، وتنويع كرامة وغزارة ، مع ملازمة الصلاة في الجماعة ، وتعهد للمسجد لو قدر لما غاب عنه ساعة ، ومداومة تلاوة لا يفتر من تردادها ، وصلوات لا يخل بأورادها ؛ هذا وبابه مفتوح ، وسحابه ممنوع ، وتجشّمه مع جلسائه مطروح وتجهّمه بالنّسبة إلى غيره خفّة روح ، لبشاشة وجه تروي غلة الصادي ، وسعة صدر تفيض على رحاب النادي ، وسرعة إجابة تعاجل صوت المنادي ، مع يد في هذا الشأن لا يخونها بنانها ، بل يزينها بيانها . * ومن نثره ما تتعب القرائح في أثره ، قوله يصف قلعة « 1 » : ذات أودية ومحاجر ، لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا ، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا ، ولا يظن ناظرها إلا أنها طالعة بين النجوم بما لها من الأبراج ، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر المحيط ، إلا أن هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء « 2 » ولا حرّ الهواجر ، وقد توعرت مسالكه ، ولا يداس فيه إلا على المحاجر ، يتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق ، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه ، وكأنما
خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
« 3 » ومنه قوله ، ولقد أحسن في وصف القلم ، فقال :
هامش
( 1 ) النص في الوافي بالوفيات وفوات الوفيات ( 2 ) من قول حمدونة الأندلسية ، أو المنازي : [ وفيات الأعيان 1 / 143 ]وقانا لفحة الرمضاء واد * سقاه مضاعف الغيث العميم( 3 ) سورة الحج : 31 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 448 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام