تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
منهلة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج ، مزررة الجيوب على أكمام الغيوم التي ما للابسها من فروج ، ولم تزل أقران الزحف ، في غدران الزعف « 1 » ، ترميهم بالقوارص ، وتأتيهم من البأس بما ترعد منه الفرائص ، وتقلب لهم ظهر المجن ، وتطرق أفئدتهم من الحرب بكل فن ، وتقرب الأسواء من الأسوار ، وتمزج لهم الأدواء في الأدوار ، إلى أن وهى سلكها ، ودنا هلكها ، وسفل منها ما علا ، ورخص ما غلا ، وفتحناها وأنخناها ، وخليناها وقد أخليناها ، فأمست كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ ، وأصبحت حصيدا كأن لم تغن بالأمس . وهذه المدينة لها سمعة في البلاد ، ومنعة ضربت دون العزم بالأسداد ؛ فتحت في صدر الإسلام في ولاية معاوية بن أبي سفيان ، وتنقلت في أيدي الملوك ، وعظمت في زمن بني عمّار ، وبنوا بها دار العلم المشهورة في التواريخ ، فلما كان في آخر المئة الخامسة وقدّر ما قدّر من ظهور طوائف الفرنج بالشام ، إذ استولوا على البلاد ، امتنعت هذه المدينة عليهم مدة ، ثم ملكوها في سنة ثلاث وخمسمئة ، واستمرت إلى الآن ، وكان الملوك في ذلك الوقت ما منهم إلا من هو مشغول بنفسه ، مكب على مجالس أنسه ، يصطبح في لهوه ويغتبق ، ويجري في مضمار لعبه ويستبق ، يرى السلامة غنيمة ، وإذا عن له وصف الحرب « 2 » ، لم يسأل إلا عن طريق الهزيمة ؛ أموال تنهب ، وممالك تذهب ، ونفوس قد تجاوزت حد إسرافها ، وبلاد تأتيها الأعداء فتنقصها من أطرافها ، إلى أن أوجد الله من أوجده لنصرة دينه ، وإذلال الشرك وشياطينه ، فأحيا فريضة الجهاد بعد موتها ، ورد ضالة الملك بعد فوتها ؛ ونرجو بقدرة الله أن نجلي ديارهم من ناسهم ، ونطهر الأرض من أدناسهم ، ونجدد للأمة قوة سلطانها ، ونعيد كلمة الإيمان إلى أوطانها ؛
هامش
( 1 ) الزّعف : السحاب الذي قد هراق ماءه ، وهو مجلل السماء . ( القاموس ) . ( 2 ) في الأصل : وصف له الحرب .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 361 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام