تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
إلا أن المملوك قد أطال الإقامة في دار المقامة ، ونال الكرامة حتى يكاد يسأم الكرامة ، وله أسوة بالقائل وقد طالت حياته : سئمت تكاليف الحياة « 1 » ؛ وإذا أغرقت المياه وإن كانت عذبة شكيت المياه . ومنه قوله : وينهي ورود المثال الكريم ، بالنبإ العظيم الذي أصمى القلوب ، وأصم المسامع ، وأوقف الخواطر ، وأجرى المدامع ، وضيق على النفوس مجرى الصبر الواسع ، وفزعت الآمال فيه إلى الكذب ، فما أجدى جزع الجازع من نعي الإمام الطاهر النقي ، العلم الزاهر الزكي ، خليفة اللّه المستنصر بالله ، بوأه اللّه جنان عدنه ، وأسكنه غرفات أمنه ، وانتقاله عن الغمة الضيقة إلى الرحمة الواسعة ، ومصيره من الدار المفرقة إلى الدار الجامعة ؛ فأظلم بها الأفق لكسوف شمس الضياء ، ودجا ليل الجو لخسوف قمر العلياء ، وضحيت وجوه المكارم لتقلص تلك الأفياء ، وكادت تنفطر لفقده السماء ذات البروج بقضاء نحبها ، وبكته بدموع قطرها من جفون سحبها ، حتى خدت خدود المروج ، وشقت للأرض جيوب تربها فألبسها حدادا من بياض الثلوج ، فياله خطبا عم الوجود باسره بأسره ، وحص جناح الإيمان بحصه بل بكسره ، وعرف كل عارف بفظاعة نكره ، وقضى لكل قلب بتجمع همه وتقسم فكره ، وأعاد الإسلام غريبا كما بدأ أول عمره ؛ لكن أقرن به الخبر الذي سر السرائر وجلّى الدياجر ، وثبت القلوب بعد أن بلغت الحناجر ، بولاية مولانا الإمام المحتوم الطاعة ، خليفة اللّه في أرضه ، والقائم بسنة الإيمان وفرضه ، أمير المؤمنين المستعصم بالله ابن خليفته ووليه ، وابن عم رسوله ونبيه ، فأجلت بوائق الحادث الجلل ، وقضت بانقباض الوجل ، وانبساط الأجل ،
هامش
( 1 ) صدر بيت لزهير ، تمامه : [ ديوانه 29 ]سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبالك يسأم